التحقيقات
/
موسم الأعراس في وادي حضرموت
المكلا الخميس 03 /ابريل/2025 | 09:57
موسم الأعراس في وادي حضرموت
سيئون / موقع محافظة حضرموت/ نزار باحميد - 26/8/2007
عندما يأتي الصيف ، تستعد كل المدن والحواضر لإقامة المهرجانات السياحية والتراثية والثقافية وغيرها ، فهذا مهرجان صيف صنعاء السياحي ، وهذا مهرجان نجم البلدة الثقافي بمدينة المكلا.
وهناك مهرجان صيف دبي و جدة و صلالة و غيرها, إلا أن وادي حضرموت يبقى صاحب الامتياز والتميز بين كل هؤلاء .. ففيه مهرجان من نوع آخر ، إنه مهرجان الأعراس و الأفراح . *** التحضير و الإعداد : حينما تبدأ تباشير الإجازة الصيفية بإطلالتها في أواخر شهر مايو من كل عام .. يشرع أهالي وادي حضرموت و يهرعون لإعداد العدة و الاستعداد لاستقبال الحدث الأهم في تأريخ بعض الأسر ألا وهو دخول واحد أو عدد من أبنائها و بناتها عش الزوجية الهادي و الهاني .. فيتجند كل أفراد العائلة بما فيهم العريس و العروس للتهيئة و التحضير الواسع ، و يتم الاجتماع العام برئاسة كبير العائلة لتكليف كل شخص بالمهمة الموكلة إليه ، حتى تسير الأمور على خير ما يرام .. فبعد أن تم تحديد موعد الزواج مسبقا مع الطرف الآخر ، يبدأ العد التنازلي ، فيتم حصر الاحتياجات و المتطلبات : البيت ، الوليمة ، العرس ، الدعوات ، اللبس ، الزينة ، الحناء ، وسائل الراحة للمدعوين و الوافدين من خارج البلاد .. كل كبيرة و صغيرة يجب أن يتضمنها البرنامج ، فيكفينا مفاجآت أو نسيان لأن ذلك مما لا تحمد عقباه . و بعد أن تم تزيين المنزل ، و شراء كافة المستلزمات ، و تهيئة مخدع الزوجين ، و توفير الذهب المطلوب للعروس و ثيابها الفاخرة ، يتم الاتفاق على موعد مع أهل الزوج لإحضار ما يخص الزوجة القادمة من متاع و مصاغ إلى عش الزوجية ، فتجتمع النسوة لترتيب ذلك بطريقة معينة ، فهذا دولاب الثياب تعلوه المزهريات التي تحمل أروع أنواع الورود و أغلاها و هنا ( التسريحة ) لصف العطور و الزهور بأسلوب أنيق ، و هنا عدة الشاي و هي من أهم ما يحرص عليه أهل العروس باعتبارها من أسباب دوام الألفة بين الزوجين ، حينما يجتمع الزوجان في عشهما الهادي في بهجة و جلسة من أحلى و أبهى ليالي العمر ، و العسل لازال يقطر من شفتيهما ، فتهيئ الزوجة لزوجها مكان جلوسه مزودا بالبطانيات الناعمة و المتاكي اللدنة كي يأخذ راحته الكاملة في الجلوس ، ثم تأخذ بطريقة سلسة أدوات عدة الشاي واحدة واحدة فتضعها بالقرب من موقع الحبيب وجها لوجه ، لتبدأ جلسة الأنس بعد أن تتزين المرأة لزوجها بأروع ما يحتويه دولاب ملابسها و صندوق جواهرها ، وتسريحة عطورها ، فيمضي الوقت سريعا سريعا .. تجتمع النسوة في ذلك المساء الجميل و يشتركن في ترتيب كل ذلك حتى أنك لتشعر حينما تدخل المنزل بعد ترتيبه بأنك في حديقة غناء . *** و يبدأ موعد العرس بالاقتراب فتفد الوفود القادمة من خارج البلدة . فيتم الاحتفاء بهم ، فبقدومهم تنبعث روائح العرس الذي لم يبق على موعده إلا يوم أو يومان .. الأعراس في وادي حضرموت اليوم ، اختلفت قليلا عما كان عليه قبل سنوات . فقد كان الاحتفال بالعرس الواحد لفترة تصل إلى ثلاثة أيام بلياليها .. أما اليوم فقد تم الاستغناء عن 50 % ، و لعل المرحلة الراهنة و الظروف لاقتصادية تقتضي ذلك . *** الحناء و الغسة : تبدأ فعاليات العرس في وادي حضرموت ( سيئون و ما جاورها ) بما يعرف بالغسة ، وهي المرحلة الانتقالية التي يعيشها الزوجان بين العزوبية والزواج ، فالرجال يجتمعون في بيت أهل العريس ( الزوج ) ظهرا ليحضروا حفلا مصغرا يجتمع فيه أقرب الأقارب فيرقصون على إيقاعات الطبول و صوت الناي الشجي ، يتوسطهم العريس و أفراد أسرته " أبوه إخوته أعمامه و أخواله و أصهاره " .. و الفرحة تكاد تنفصم عن وجوههم فقد حل يوم العرس المنشود .. يتناول جميع المدعوين بعد ذلك وجبة الغداء التي اعتاد الحضارمة على أن تكون ( رز باللحم ) و لأنها خاصة ، ربما زيد فيها بعض التحسينات . ثم فنجان الشاي الحضرمي الذي يستقر بعده الطعام في الأمعاء . و النسوة هناك في بيت أهل العروس ( الزوجة ) وقد غشي وجهها بقطعة من القماش شبه الشفاف حتى لا ترى بشكل واضح فتبقى النسوة في شوق شديد للتعرف على أبرز ملامحها مما يمكنهن من وصفها , و لكن هيهات يبقى الأمر حصريا حتى موعد الظلة في عصر اليوم التالي .. العروس جالسة في موقعها المخصص تحيط بها النسوة ( المحنّـيات ) لينقشن على يديها ورجليها أجمل و أبدع النقشات و أحدثها فللنقش فنون ، بينما تستمع الأخريات من الحاضرات بأصوات المشترحات و الخيبعان في وصف محاسن الزوجة و أهلها و أخوالها و الدعوات لهم ، بالألحان المتميزة و إيقاعات الطبول الفريدة ، و ربما صاحب ذلك ( الزفين ) و هي رقصات خاصة جدا لا تجيدها كل النسوة بأصوات الراضة و الخبة .. و في هذه الظهيرة يتم غسل شعر العروس بالماء و الصابون و أنواع الشامبو الفاخرة ، كي يكتسب حيوية و لمعانا أكثر ، و يأخذ أحد أقاربها منه خصلة كما جرت العادة . ويأتي المأذون خلسة ليأخذ موافقة العروس مشافهة !! *** الحراوة و عقد القران : في عشية هذا اليوم .. يتم الاحتفال الرسمي والعام فالكل حريص على أن يكون من أوائل الحضور .. فهذا هو يوم العرس ففيه يتم عقد القرآن .. تبدأ الفعالية بتجمع الحاضرين من المدعوين أمام بيت العريس حيث يكون في مقدمة المستقبلين أهل العريس و قد هيئ المكان بالفرش الوثيرة و أسباب الراحة و المياه الباردة التي تطفي لهيب حرارة الصيف الذي يطغى على أجواء وادي حضرموت ، و تأتي فرقة الزربادي لتشنف أسماع الحاضرين ببعض التواشيح و القصائد الدينية بإيقاعاتها الخاصة .. في هذه اللحظات يكون العريس و أصدقاؤه في شغلهم الشاغل حيث يتم ارتداء اللبس الخاص بالحراوة .. و تختلف الألبسة من أسرة لأخرى كما تختلف أيضا طريقة الاحتفاء بذلك اليوم فإلى جانب الزربادي تكون هناك الألعاب الشعبية الشبواني و هي من الرقصات الأكثر جماهيرية في مناطق الوادي ، كما أن هناك القفزان و الشرح و الزامل و ما إلى ذلك . يخرج العريس في أزهى حلة يستقبله الجميع في محبة وولاء مهنئين و مباركين له و لأهله . و يمشي الركب راجلا أو راكبا ( بحسب المسافة ) في موكبٍ فرائحيٍ بهيجٍ و أبواق السيارات و الدراجات النارية و أضواءها تحيط بالجميع ، و ربما تعطلت حينها إشارات المرور و أصبحت الأولوية لموكب العرس .. أهل العروس في انتظار أهل العريس إلى جوار بيتهم الذي تهيأ لاستقبال زواره و ضيوفه الكرام ، كي يتم عقد القرآن وقد زينت ساحاته و نظفت ، العلك يرسل دخانه الأبيض ليجوب الفضاء و يضفي على المكان رائحته المميزة . أصوات الأبواق تقترب شيئا فشيئا فيهب رجال من أهل العروس صفا واحدا لاستقبال موكب ( الحراوة ) فها هو قادم ، العريس يحيط به أهله و أقرباؤه و خلفه مباشرة يقف حارسه الخاص الذي يتفقد أحواله و يحافظ على منظره و هندامه و ينفث عنه غبار الطريق و حرارة الجو من خلال المروحة اليدوية الخاصة التي يحملها .. و بعد أن يتم الترحيب بالموكب القادم من قبل أهل الزوجة و يأخذ كل فرد موقعه .. يبدأ المأذون بتلاوة خطبة النكاح وسط هدوء الجميع .. ثم يمد العريس يده ليصافح عمه الجديد ( ولي أمر عروسه ) و يرهف الجميع السمع حتى يكتمل الإيجاب و القبول من الطرفين ، فتنطلق الزغاريد من حناجر النساء اللواتي يرقبن الحدث عن كثب من شرفات المنازل و أسطح البيوت ، و يأخذ قائد فرقة الزربادي طاره و يشرع في صوت ما بعد العقد الذي أصبح محفوظا لدى كثير من الحاضرين ، فيالها من أنشودة جماعية بديعة . بعدها يقف العريس عن يمينه أهله و عن يساره أصهاره لاستقبال التهاني و التبريكات من قبل المهنئين الذين يتزاحمون ، و تتلاصق أجسادهم في عناق حميم حتى يقترب موعد صلاة المغرب فينصرف كل امرئ إلى حيث أراد ، ليلتقوا ثانية في المساء . *** الزفاف و الدخلة : في هذه الليلة يتم تهيئة العروس لزفافها إلى بيت زوجها في أول ليلة عرس لهما ، و قد اعتاد أهل حضرموت أن يكون الزفاف في النصف الآخر من الليل ، و إلى أن يحين ذلك الموعد يقضي الرجال جزءً من الليل في تسلية العريس و أهله بحضور ما يعرف بـ( المرية ) حيث يتجمع الكل لتناول وجبة العشاء التي يبدأ بعدها سمر الرجال ، و هي فرصة سانحة لمن أراد أن يطفي نار الشوق لأداء رقصة زربادي مع رفيقه ، فيتنافس الراقصون في تقديم البديع من الرقصات وسط آراء الحاضرين بين مشجع و مثبط حتى ينفض السمر و قد اقترب موعد حضور العروس . كما أنه و في هذه الأمسية الفرائحية يتم خضب قدمي العريس بالحناء ( دهينة ) بحضور أهل زوجته الذين قدموا خصيصا ليشهدوا ذلك و يطمأنوا على أن كل شي على ما يرام .. وفي تلك اللحظة تدور فرقة الزربادي حول العريس مباركة و مهنئة ببعض الأغنيات الفرائحية : حنوا له .. غلب ما يحني ، طاب ليلك يا عريس ، و غيرها من الأهازيج الخاصة بالمناسبة ، بعدها يقوم العريس بأداء رقصته الخاصة ( صوت المعرس ) بمشاركة من أراد من الحاضرين ابتداء بأهله و أرحامه و أقاربه و كذا أصهاره و أصدقائه كبارا و صغارا . في بعض مناطق الوادي يستعاض عن رقصة الزربادي برقصات شعبية أخرى مثل الشبواني والشرح ، وتحبذ بعض الأسر الحفلات الدينية و الإنشادية ويفضل آخرون السهرات الفنية الغنائية والمساجلات الشعرية و ربما جلسات الدان الحضرمي و التي تستمر أحيانا إلى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي . النساء في هذه الأثناء يعشن جوا راقصا رائعا و هو ما يعرف بالمسامرة في انتظار تجهيز العروس ، وبعد أن تصبح العروس جاهزة للزفاف ، يحضر أهل العريس السيارات الكافية لجلب العروس و من يرافقها . لحظات خالدة و ذكريات جميلة . و حانت لحظة وداع البنت لبيت أبيها الذي عاشت كل سني عمرها بين جدرانه ، لترحل إلى بيت آخر ربما لم تدخله منذ ولادتها إلا هذه المرة .. فيا لها من حيــاة !! المشهد يتكرر مع اختلاف بسيط ، ما قد جرى عصرا للعريس في هذا اليوم ، يجري ليلا لعروسه ، فقد ذهب عشية لعقد القران معلنا بذلك زواجه الميمون وطلب امرأته ، فهاهي تستجيب لذلك و تزف إليه في موكب ليلي حافل يوقظ النائم من وقع الطبول و المراقيص التي تحرص النسوة على الضرب عليها بكل ما يملكن من قوة في جو مشحون بالذكريات فكل واحدة تتذكر تلك الليلة التي أسري بها فيها إلى بيت الزوجية ، حتى يصل الموكب إلى بيت العريس ، فيختلط الحابل بالنابل ، و يزداد الحماس بين الفريقين و يرتفع صوت النسوة : عروسنا منصورة ، فيرد فريق العريس : كلاننا يا المنصور ، حتى تدخل العروس مخدعها في انتظار الفارس الجديد ، فيأتي منتصب القامة ليمتطي صهوة جواده .. *** فعاليات نسوية : في اليوم التالي و هو آخر أيام العرس .. يطمئن كل فريق على صاحبه .. كيف قضيت الليلة ؟؟ يسمى هذا اليوم بيوم ( الصبحة ) حيث يتسنى للعريس رؤية عروسه و هي ترقص على استحياء بين يديه يحيط بهم محارم العريس ، و ساتر يحول بينه و بين رؤية غيرهن .. و تجلس المشترحات متلفعات بجلابيبهن في ركن خاص يرددن الأغنيات و الموشحات ، وربما قالت إحدى قريبات العريس أبياتا من ( الخيبعان ) في مدحه و أعمامه و أخواله .. فيطيب المجلس للعريس الذي ما يلبث أن يفاجأ : قد انتهى موعد المكوث بيننا ، فيجر أذياله على مضض و هو في أشد الشوق لعروسه الجديدة التي تعد الدقائق هي الأخرى لتلتقي به ثانية .. بعد الظهر يتجمع الأهل في آخر وجبة لهم في بيت الزوج .. و يجهّز مكان خاص لأهل العروس يلتقون فيه بصهرهم وزوج ابنتهم الجديد الذي صار اليوم عضوا فاعلا في الأسرة و أضيف اسمه إلى قائمة الأصهار . و في العصر يحين موعد ( الظلة ) وهي اجتماع النساء من المدعوات و غيرهن ليرى الجميع العروس الجديدة في حفل نسائي حاشد يحضره القاصي و الداني ، و يستغل المفترشون من الباعة الفرصة فيعرضون بضائعهم المختلفة مما يخص النسوة و الصغار و احتياجات المنازل ، فتهتبل الكثيرات من النساء الفرصة لشراء ما كانت تبحث عنه .. هذا في الخارج ، و في الداخل تشرئب أعناق النساء لتتبين ملامح العروس التي تم الكشف عن وجهها مرتدية ثوب زفافها و قد احمرت وجنتاها من شدة الخجل فكل العيون تحملق فيها ، و ربما وصلت بعض الأيادي إلى فستانها و إلى بعض أجزاء جسدها ، إلا أن ( الكوبرة ) تحاول قدر المستطاع الدفاع عنها ، حتى يحين موعد الانصراف .. *** ختام : و يعبر أحد المدعويين عن انطباعاته " من أجل هذين الاثنين تحمّل حشد كبير من المحبين السهر و التعب و النصب " و لكن هذين الاثنين هما أسرة جديدة ، بيت جديد ، جيل جديد .. هكذا تعيش حضرموت الوادي أيام إجازة الصيف في مهرجانات فرائحية ما تلبث أن تهدأ ، إلا لتبدأ من جديد ، فالدعوات تصل تباعا إلى كل بيت ، و ربما صادف أن كان في اليوم الواحد أكثر من حفل زواج ، فيأخذ كل فرد من أفراد العائلة وجهة ، حفاظا على دوام الألفة و جبر الخواطر و القلوب ..
بحث متقدم
هل تؤيد فكرة انشاء الأقاليم كأحد مخرجات الحوار الوطني ؟
نعم
لا
لا أدري
النتيجة
جميع الحقوق محفوظة
شبكة مواقع محافظة حضرموت 2005 - 2025
تصميم و إدارة
شركة التجارة الإلكترونية اليمنية المحدودة
اتفاقية استخدام الموقع
|
رسالة لحماية الخصوصية