الذي استعذب حرقة الفراق
   
- 7/23/2005 12:00:00 AM
1111111117.jpg
صالح باعامر*
الذي يقف أمام صالح عبدالرحمن المفلحي يحتاج إلى معرفة به كشاعر وإنسان ليلم بجل حيواتيه والظروف التي أدت به إلى الشعر والتلح...
صالح باعامر*
الذي يقف أمام صالح عبدالرحمن المفلحي يحتاج إلى معرفة به كشاعر وإنسان ليلم بجل حيواتيه والظروف التي أدت به إلى الشعر والتلحين وهنا تجدنا نختلف مع الذين يعزلون الشاعر عما أبدعه بحجة إن خروج الأثر الإبداعي إلى الناس يغدو منفصلاً عن صاحبه ويمكن للناقد أن يفسر هذا الأثر مثل ما يشاء .
إننا كقراء ومتلقين من حقنا أن نربط بين الشاعر الغنائي خصوصاً وبين تجربته الإبداعية والحياتية ولا سيما في جوانبها الاجتماعية والإنسانية التي نحسها تختلح فينا لأنها جزءاَ من جزيئات حياته .
ومثلما هم ينقدون نقداً وفق رؤيتهم من حقنا نحن أن نفسر الأثر وننقده وفق رؤيتنا وذوقنا الفني ونظرتنا الإنسانية على اعتبار إن الذي أبدع هذا الأثر في الأخير هو من لحم ودم وله مشاعر يقينا ستنعكس فيما أبدع .
الشاعر يحب ويكره و يعاتب ، يغضب يفرح ، يثور ويهدأ وتأثير كل ذلك ينعكس على إبداعه .. من هذه الرؤية تجدنا نشير إلى الأبعاد الفنية و الاجتماعية و الإنسانية في شعر المفلحي ، ونقاد الموسيقى عليهم أن ينقدوا الحانة .
إن أغنية المفلحي تتفرد بروح الشعرية و الشاعرية لا سيما روائعه التي تنفح أزاهيراً و وروداً وحباً و وفاء وتفان إلى درجة غير مألوفة :
رفيق العاطفة شفني
و حب كل زين اغيد
ولكن حبك استولى على قلبي وأزيد
وصوته لا سمعته زال عني الشوش والهم
وأسعد يوم لا شفته ضحك والاّ تبسم
وحبي واضح الرؤية
ولا ينكره لك حد
ولو هو في السماء
بين الكواكب لك تفرد
ولو هو فوق سطح
زعزعها بزلازل
حبيبي حل في قلبي
وبدره في سماء حبي
مشوع بدر و هلال
المفلحي ينتمي عاطفياً و وجدانياً وروحياً إلى ثقافتنا وقراءاته كثيرة في كل أطياف الثقافة العربية وهو كثير الاستماع إلى الإذاعات العتيدة و مشاهد مدمن للتلفزيون وأخيراً القنوات الفضائية و هذه الوسائط علمته الشيء الكثير و جعلته مواكباً لكل جديد ثقافي أو فكري أو فني . لكنه أكثر ارتباطاً بالثقافة الشعبية الحضرمية التي افرزت غناء متعدد الإيقاعات وغنى بالأهازيج والغناء الشعبي والألحان الشعبية المدينية منها والريفية وحتى البدوية إلى جانب الثقافة البحرية التي تزخر بها سواحل حضرموت كل ذلك أدى به إلى مستوى الأغنية التي جددها ونفخ فيها الروح الفنان محمد جمعة الذي انزاح بها عن أجواء الأغاني الصوفية والروح الهندية التي تأثرت بها كل سواحل اليمن والجزيرة حين وجد محمد جمعة ضالته في الشاعر البار و الناخبي ثم حداد بن حسن وباحكم ثم المحضار والمفلحي و ( سواد ) لكن التجربة الغنائية اكتملت البناء الشعري واللحني في بداية السبعينيات حين تصدرها المحضار والمفلحي والكالف والثنائي المعلم حميدان وسالم جبران وسالم بامطرف والتي فرخت جيلاً من الفنانين ذاع صيتهم في أواخر السبعينيات و الثمانينيات والتسعينيات بظهور عبدالقادر الكاف ومحفوظ باحشوان و محمد عمر بن طالب و أحمد سالم البيض وجمعان بامطرف وعمر أبوبكر العيدروس وخالد عبدالعزيز و ( أبو داؤد ) وعلي عبيّد وعلي سعيد علي .
لكن ما يميز المفلحي هو إنك تشم في نصوصه شيئاً مختلفاً وإن ذكرتك بنصوص كل أولئك وهؤلاء إلا أن خصائصها الفنية حملت نكهة إبداعية متفردة من حيث الفكرة والمفردة والصور والجمل اللحنية التي تنفث رقه وعذوبة تكثف لديك شعوراً معمقاً بالحب .
فلو تجاوزنا أغانيه التي إلى اللحظة يرددها عامة الناس :
بلحيك ، لا تغرك شبعة العيد ، خرح ذا فصل في أهل السبب ما وشينا ، ويالذيك المناظر فأيننا من : حين ودعتهم فاضت عيوني مطر .. قال خفف قليله دمع عيني غسل كحل الصبأ في العين ، عشقه الغيد ، يا راقدين الليل ، ليله بعيبات ، يا من رماني بعينه :
يا من رماني بعينه
وجرحتني سهامه
ويلي أنا من عذابه قط ما تخاف الملامة
لو صبتني صوب قاتل
ما فائدة للندامة
من علمك يا حبيبي
درب الجفأ و الخصامه
يا من حعيده حبيشي
منكوس فوق الحزامة
إذا تبسم لمع ثغره كبارق تهامة
ميزته بين الغواني
بارع لدن في كلامه وإذا كانت بعض هذه الصور مطروقة في الغناء اليمني إلا إننا نجد إن المفلحي قد صاغها صياغة مختلفة وعالجها معالجة و أئمت حالته الشعورية التي تنفت حرقة وتنفح لوعة وتوقاً إلى طلب الوصال :
حرام تقتل فؤادي بالبعاد
تبخل علي شفك حتى بالنظر
يا هاجري لا متى هذا العناد
الجود و المعروف من طبع البشر
الدمع ينساب من حرق السهاد
والقلب والع بكم قط ما صبر
وقفت شعري لكم مادح وشاد
فاسمح بزوره ولو وقت السحر
وتجد عند المفلحي مفردات قلما تجدها عند غيره يقيناً هي من تأثير البيئة وظروف حياته وثقافته الشعبية مثل : قروح الميازر ، اعز أسلوبه ، الضرب عالمحلاه ، القامزي ، يغزو ، لا غزيت ، رصاصة الصبر له مدخل مع الخشره ، القناصة ، سوق المجاري فوق رأسي نارها تنساب ، الجود ، الأكابر ، حوض الشرف ، أهل المكارم .
عندما ذهب المفلحي إلى الأغنية ليس من أجل الشهرة أو الجاه أو المال بل من أجل التعبير عن ذاته من خلال الكلمة واللحن اللذين جاءاه وإن كان قد استشعر شيئاً يتقد بداخله منبئاً بولادة لا يدريه وإن كان يحس به فولد هذا الشيء بوسيط مؤثر هو صوت الفنان الكبير محمد جمعة الذي فجر ما بداخله من فن ، وكانت البداية لعطاء غنائي روى نفوس عطشى إلى مثل إبداع المفلحي .
إن فن المفلحي سيظل يحفر فينا وينبش عن الذي يطربنا ويسعدنا وسنظل نقطف من زهور بساتينه وحدائقه و من شجرة إبداعه الوارفة كي ينعش حياتنا .
* المدير العام لمكتب وزارة الثقافة بمحافظة حضرموت .

    Bookmark and Share

هل تؤيد فكرة انشاء الأقاليم كأحد مخرجات الحوار الوطني ؟


النتيجة