اليمن والمستقبل
   
الثورة - 5/16/2005 12:00:00 AM
11yemen.jpg
اليمن والمستقبل عنوان كبير تندرج تحته مئات الطموحات والتنمية، فما أجمل أن ترى وطنك تشع منه تجليات وتنسج خيوط فجره مكانها فتخترق القلوب والأفئدة تتلمس ...
اليمن والمستقبل عنوان كبير تندرج تحته مئات الطموحات والتنمية، فما أجمل أن ترى وطنك تشع منه تجليات وتنسج خيوط فجره مكانها فتخترق القلوب والأفئدة تتلمس فيها الضوء وتحفر أعماق الوجدان، أقصوصة حب الوطن وتخيلات التطور والتقدم لوطن ليس الجغرافيا وحدها تحكي واقعية تجاوزه للمحن وصدقية فوزه في زمن كهذا الذي يختلط فيه الحابل بالنابل، فما يدري المرء ما يجري. اليمن اسم محفور في ذاكرة التاريخ وعلم من أعلام العالم، قديمة حضارته، فريدة سطور تاريخه، إعجاز كفاحه في بحر الحياة المتلاطمة أمواجه، وها هو يشق طريقه نحو النور كما كان يفعل، متحرراً على الظروف القاسية، عصياً على انفعالات الزمن المتردية، وعلى قراءة الماضي تبهر الإنسان قوة الإنجاز في الحاضر وتتوسع في الذاكرة مساحة التمنيات لوطن المستقبل وهو يخط دربه نحو الأمل. إعجاز في زمن المادة { في عالم طغت عليه الحضارة المادية فصار لا يؤمن إلاَّ بالمظهرولا يرى إلاَّ المحسوس، تحققت معجزة يمانية خلدت ذكراها في قواميس التاريخ الحديث مثلما فعلت في الماضي وأوجدت لها مكاناً في ذاكرة الإنسان الباحث عن الطامحين والقافزين فوق خطوط الضعف والتراجع، وبفضل الله تعالى وحده وبحكمة قائد اليمن الملهم تحققت الوحدة اليمنية المباركة في عصر يميل إلى الانهيار ويحيا في تفكك وتشرذم وانقسامات متتالية، تحققت الوحدة بعد تشطير دام سنوات، زراعة المحتل ليجرع اليمنيين بؤساً لا حدود له ومقتاً ليس له آخر، لكنهم على طغيان المادة أثبتوا أن القلوب لا تزال في شعورها المرهف أكثر حضوراً وأقوى، وأن الحب والسلام والوئام ليست كلمات عابرة يستغلها الساسة لكسب ما يريد من مصالح، بل هي فعل يتحقق ووجود يُلمس وحلم يُرى رأي العين، فكانت الوحدة أنشودة سلام خالدة ترهف آذان سامعها وقصيدة حب أعجزت بشاعريتها الشعراء فاحتاروا في وصفها، وصفحة وئام نادرة طوت صفحات من الخصام والتنافر بفعل المحتل الذي لا يسود إلاَّ في ظل الفرقة. إعادة تحقيق الوحدة اليمنية اعتبرها المراقبون وكثير من المفكرين إحدى المنعطفات الهامة والمعالم البارزة الفريدة في القرن العشرين، ومقدمة يمنية رصينة للولوج في القرن الحادي والعشرين بمقومات ثابتة ومعطيات جديدة تستهدف الارتقاء بالوطن وبالشعب وتعميق الهوية الوطنية والعربية الإسلامية في نفسه، إنها استراتيجية متقدمة لبناء اليمن وتنميتها الشاملة في طريق المستقبل القادم والوطن يشع أملاً وبهاءً وهو يرسخ أقدامه في زمن متقلب الأحوال. توأم الوحدة { ومع اكتمال حلم تحقيق الوحدة فالحفاظ عليها وبذل الدماء لأجلها عقدت قيادة الوطن عقداً لا تبديل فيه باعتبار الديمقراطية رديف الوحدة، وقالها فخامة الأخ علي عبدالله صالح، رئيس الجمهورية، الذي، إلى جانب كونه محقق الوحدة، فهو صمام أمان الوطن الذي سيخلد التاريخ ذكره إلى جانب التبع أسعد الكامل والصليحي الذين كان لهم شرف تحقيق وحدة وطن ممتد الجذور ضارب في أعماق التاريخ، قال الرئيس أن الديمقراطية توأم الوحدة ولا انفصال بينهما، واعتبر التراجع عن الديمقراطية تراجعاً عن الوحدة نفسها. المواطن يسعى ليدلي بصوته بصورة ديمقراطية متميزة وصندوق الاقتراع هو الحكم والفيصل يختار الناخب من يريد باقتراع سري ينبئ عن حرية قناعته في المرشح الذي يثق به دون قيد أو إكراه، تجارب خاضتها اليمن وانفعل بها اليمنيون بكل حواسم تنوعت فيها الانتخابات بين النيابية والمحلية والرئاسية، وكان المواطن وحده هو الحاسم في القول والفعل، ومهما قيل ويقال فالتجربة الديمقراطية في اليمن على حداثتها ووصفها بالناشئة ضاربة جذورها في أعماق الماضي أوردتها كثير من كتب التاريخ وتحدث عنها أفضل كتاب في الكون، كتاب الله القرآن العظيم، وليس اختيار الشعب من يحكمه بنفسه عبر الصندوق إلاَّ تدليل على ثقة الشعب بحاكمه، وإذا كان بعض المنفعلين يزايد في قضية الصندوق فيرغي ويزبد، فما لا يختلف عليه اثنان أن المواطن اليمني هو الفيصل في المنافسة، والساحة تتسع للجميع، وبعيداً عن الهرطقات الكلامية يبقى الشارع قريباً ممن هو قريب منه، والوطن يحتضن بصدره الدافئ كل أبنائه، والأحزاب تتنافس حتى أن بعضها على عصبيته لا يراعي في كثير من الأحيان مصلحة الوطن، وربما لا يعي أن بعض الزيف قد يقود الوطن إلى المجهول فتنحرف السفينة بعد أن خرقها أحمق، ومؤسسات المجتمع المدني تنتشر في اليمن حتى أنها على كثرتها لا تكاد تحصى، فكم من الهيئات والنقابات والجمعيات هي ركيزة المجتمع المدني وأحد أوجه نشاطاته المجتمعية التي يحتاج بعضها إلى فعل اجتماعي خلاّق وشفافية في التعامل تعين الجميع على ما نصبو إليه من تقديم الخدمات والأنشطة وفق عمل مؤسسي ظاهر لا مغالطات فيه. كثيرة هي أوجه النشاطات الديمقراطية في اليمن، وهي تقوم بمهامها التي كفلها لها الدستور والقوانين اليمنية يتعين عليها الرؤية الثاقبة للمستقبل، وهي الرؤية التي سينجم عنها كيفية الشعور بالحفاظ على وطن مجيد يتلاحم فيه الحاكم والمحكوم فيقفان معاً في خندق واحد ضد أي مؤامرات تستهدف الوحدة الوطنية، داخلية كانت أو خارجية، ومعاً يبنيان جداراً مرتفعاً يحميان به وطناً آمناً مستقراً تحاول بعض فئات نشاز أن تنال من أمنه واستقراره، ومعاً ينطلقان للأفق وهما يبصران الوطن وقد ازدادت تجربته الديمقراطية نضوجاً وازداد تقدماً ورفعةً. عصب الحياة { أول التحديات هو «الاقتصاد» وهو تحدٍّ عالمي يشغل العالم بأسره، واليمن من دول العالم الثالث التي تسعى إلى رفع مستواها الاقتصادي قدر إمكانياتها، ويبقى تحقيق نمو معدل مطرد ومستدام يحل كثيراً من المشاكل الاقتصادية والاستغلال الأمثل للموارد البشرية وتأهيلها لتلبية متطلبات سوق العمل لمعالجة أسباب المشكلة الاقتصادية، هدف من أهداف الدولة في المستقبل، ويعد الفقر أحد الأولويات التي على اليمن الاهتمام بمكافحتها عبر استراتيجية فعالة تحد من توسع الأسر الفقيرة من خلال الإعانات ونظام الضمان الاجتماعي ودعم وتشجيع الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي تعد اليوم مؤسسة الصالح أبرزها في تقديم معونات ومساعدات جعلتها تذكر على كل لسان بالخير والثناء. واستمراراً لجهود الحكومة في الحد من التضخم واستقرار سعر الصرف فلابد أن تتواصل الجهود لتحقيق تحسن ملموس في مستويات معيشة المواطن وتدعيم الاستقرار الاقتصادي، وكل هذا لن يتم ما لم تخلص النيات في تقديم الحوافز الضرورية لتشجيع الاستثمار ومواصلة المنطقة التجارية الحرة وتقويض البطالة بتوفير فرص عمل للعاطلين وزيادة الاهتمام بالقطاع الزراعي والثروة الحيوانية كرافد اقتصادي هام إلى جانب زيادة الإنتاج السمكي والاهتمام أكثر بالسياحة باعتبارها من القطاعات الواعدة في بلادنا، والتي لابد أن تحظى بالرعاية والتطوير، إضافة إلى تشجيع الصناعات الصغيرة والصناعات الحرفية التي إلى جانب رافدها الاقتصادي فهي عنصر من عنصر استيعاب البطالة. وما سبق كله يدخل في إطار عملية الإصلاح المالي والإداري الذي لن يؤتي ثماره ما لم يتحقق الجهد والإخلاص من الإدارات الدنيا صعوداً استجابةً لجهود رئيس الجمهورية وتوجهات الحكومة في محاولة تحقيق عملية الإصلاح بما يعود على اليمن بالاستقرار والانتعاش الاقتصادي وتطوير البنية التحتية. بوابة الآتي { فالنهضة المنشودة ومنطلق التغيير الاجتماعي نحو الأفضل هو التعليم، هو بوابة الآتي المغيب، وهو المرتكز الأول في بناء الشخصية اليمنية وتعميق الهوية الوطنية والعربية الإسلامية، وإخراج أجيال متميزة مثقفة، هدف وطني راقٍ يتشكل على ضوء جيل معتدل يعرف معنى حب الوطن ويعرف حقيقة شخصيته اليمنية العربية الإسلامية، ويفهم معنى الحياة ومعنى الوجود والغاية من التعليم الذي اكتسبه بالجهد والوقت، فأكسبه أخلاقاً معتدلةً مرنةً وقدرةً مباشرة على تحليل الأوضاع وسبر أغوار الدنيا والاستعداد للآخرة. وما يحصل اليوم من انتقادات تقول أن الجامعات والمعاهد لم تعد تخرج عقولاً وإنما كماً لا يدري ما الفائدة من دراسته ولا كيفية تنفيذه في الواقع جدير بالمناقشة وينبغي أن يقابل بحرص مجتمعي وحكومي على حد سواء في الاهتمام بمخرجات التعليم من خلال التجديد والتطوير المستمر للنظام التربوي والتعليمي وتفعيل قدرته على مواكبة العصر، خاصة والقيادة السياسية تحرص اليوم أكثر من أي وقت مضى على تعميم الحاسوب واستفادة طلاب العلم بمختلف فئاتهم ومستوياتهم من ثورة المعلومات والاتصالات، هي ميزة فريدة على جيل اليوم استغلالها في تنمية قدراتهم وإبراز مواهبهم وإعمال عقولهم، والفتاة لا تزال تعاني في بعض المناطق اليمنية من الحرمان من حق التعليم وتذليل الصعوبات والعوائق أمامها للتمكن من حصولها على حقها في التعليم ضرورة وطنية، فالأم مدرسة يتخرج منها طلاب هم فلذة كبدها وعلى ضوء تربيتها يتشكل سلوكهم وفقاً لما يتلقونه منها وتتحدد مكانتهم في المجتمع، وإضافة إلى ذلك فرعاية المعلم اليمني هدف عظيم كذلك، إذ أن هذا المعلم هو الذي يتخرج من تحت يديه آلاف الطلاب الذين يتوزعون في عدة تخصصات، ورفع كفاءة الإدارة التربوية والمدرسية هدف كذلك وعامل مهم من عوامل تقدم وتطوير العملية التعليمية، وأي مراقب اليوم لليمن وهي تلج باب المنجزات العظيمة يلحظ كثرة الجامعات الحكومية والأهلية والمدارس الحكومية والأهلية تنتشر بشكل كبير، لكنها على كثرتها جديرة بالرقابة والرعاية. ولأن الحيز لا يكفي للتوسع في أي نقطة من النقاط في المقالة، فأقول أن اهتمام الحكومة وإيلاء القيادة السياسية الرعاية والتوجه نحو التعليم الفني والمهني يأتي في وقته، فإخراج أجيال إلى الشارع وازدياد مساحة البطالة ليس حلاً والتعليم المهني والفني - رغم احتياجه المتزايد لكثير من الاهتمام - حل مناسب لمشكلة البطالة ورؤية ثاقبة لرئيس الجمهورية وهو يدرك ما تحتاجه اليمن اليوم وما يحتاجه جيل الغد، وكذا الاهتمام بمحو الأمية لكي يزداد المجتمع اليمني وعياً ومعرفةً فتزول الكثير من المشاكل والمعوقات ويخطو اليمن بثقة أكبر نحو المستقبل المشرق. دليل الارتقاء { وإذا كان الإنسان الذي هو أساس التنمية وهدفها معني بكل الأطروحات في جوانب الحياة المختلفة باعتباره خليفة الله في أرضه، له كرامة وميزات وهبها الله تعالى له دون غيره من المخلوقات، فإن العلم فرض يدفعه للثقافة، والثقافة تشكل سلوكه، وكلما كان الإنسان أكثر معرفة كلما كان أكثر حرصاً على صحته ونظافته وجميلاً في مظهره كما هو في جوهره، وقديماً قيل العقل السليم في الجسم السليم، وعليه يأتي مفهوم أن الصحة من أولويات التنمية البشرية في هذا العصر، وهي دليل الارتقاء في المجتمعات، والإنسان اليمني معني كغيره بهذا الجانب، فهو يضطر في كثير من الأحيان للسفر إلى الخارج للعلاج بتكاليف باهظة يدفع فيها دم قلبه، وهذا ناتج في مفهومه عن سببين رئيسيين يعتقدهما، إما تردي الخدمات الصحية أو عدم الثقة بالطب في اليمن، وهما سببان يلتقيان في جوهرهما، لكن التحامل على الوضع الصحي في اليمن لدرجة كبيرة ليس صواباً (001%)، فهناك لا شك مستشفيات تدعوك إلى الثقة بها وأطباء متميزون يدعونك إلى احترامهم والثقة بالعلاج على أيديهم، لكن هذا لا يمنع من أن اليمن، وهي تتطلع إلى المستقبل، لا تزال بحاجة لكثير من العناية والرقابة في نفس الوقت، خصوصاً التوزيع العادل للخدمات الصحية بين المحافظات والمديريات والأرياف، وضرورة تكوين رؤية متطورة قابلة للتطبيق في إيصال الخدمات الصحية إلى مناطق محرومة ونائية، وهي مسؤولية مشتركة بين الحكومة والمواطنين الذين يتطلب وجود مستشفيات أو مراكز صحية في مناطقهم، والحكومة - للأمانة - يسجل لها الاعتراف بتوسعة الخدمات الصحية من يوم إلى آخر وافتتاح العديد من المستشفيات من عام إلى آخر في مناطق متفرقة من أرض الوطن كانت محرومة منها بالأمس، والرقابة الصحية، التي تشمل المستشفيات، لابد أن تشمل المستوصفات الخاصة التي يعتبر بعضها الطب حرفة تجارية مربحة أكثر منها مهمة إنسانية نبيلة تتطلب وعياً ودرايةً وتخصصاً، فالطب ليس لعباً بالأرواح، والبشر ليسوا أكواماً من الرعاع الجهلة، والنظرة الخاطئة لجيب المواطن أكثر من الحرص على سلامته مصيبة، وأي مصيبة تجرع مرارتها الكثير من الغلابة والبسطاء، ويدخل في هذا الإطار - أي الرقابة الصحية - الكثير من الصيدليات التي يتحول فيها الصيدلي إلى طبيب يصرف الأدوية حسب رأيه دونما رجوع إلى طبيب مختص، ناهيك عن الأسعار الخيالية في بيع العلاجات والأدوية التي لا نفرق فيها بين المهرب والمغشوش، والدخول إلى المستقبل وتحقيق البناء والتنمية الصحية لن يتم بدون الاهتمام بالصحة الوقائية ورفع مستوى الوعي الصحي عند السكان، وهو ما تقوم به الحكومة مشكورة من خلال أجهزة الإعلام المختلفة، لكن الوعي الصحي يتطلب جهوداً إعلاميةً أكبر تعمل على تعريف المواطن بما يكفل تحقيق سلامته وتعزيز صحته وتحذيره مما يضره، ويدخل في هذه الدائرة التعليم الصحي، وتطوير الوضع الصحي هو دليل ارتقاء الإنسان اليمني، وبدلاً من السفر إلى الخارج يكون الوطن أولى بما يُنفق، ولا يتم هذا بدون رقابة دائمة وتقييم ودراسة للوضع الصحي في اليمن وكيفية تحسينه إلى الأفضل باعتباره أولوية هامة. معضلة العصر { الفساد معضلة العصر وإشكالية معقدة تجتاح العالم بشكل عام، والذي يقول ألاَّ فساد في اليمن كجزء من العالم شخص لا يرى ويعيش ربما في الفضاء، والذي يقول كذلك أن الفساد طغى على كل شيء ولا يرى إلاَّ بالنظارة السوداء مبالغ ومتحامل، الفساد موجود، كلنا يقر بذلك ويعترف، وفخامة الأخ علي عبدالله صالح، رئيس الجمهورية، دعا أكثر من مرة إلى مواجهة الفساد وانتقد الفاسدين في أكثرمن مناسبة، بل حدثت تغييرات شملت بعض الفاسدين الذين ثبتت إدانتهم وبعضهم أحيل إلى الأجهزة المختصة، ولا يزال هناك من يتخفى خلف وظيفته ومسؤوليته فينهب المال العام ويمارس الرشوة والمحسوبية كهدف للثراء السريع. نعلم أن اليمن تعاني من بعض الاختلالات الإدارية والمالية وتعاني من إشكالات الفساد كسرطان خبيث وأخطبوط مفزع، لكن، ما الحل؟ إن الولوج في ركب العصر إلى المستقبل يستلزم مكافحة الفساد، فما هو العلاج الناجع لذلك؟ ليس الحل السكوت على الفاسد بالطبع ليمارس هوايته المفضلة في النهب والابتزاز، وليس الحل كذلك حملات التشهير التي لا تقدم علاجاً وربما تصور الوطن بصورة تؤثر عليه وعلى مستقبله لتحقيق مكاسب حزبية رخيصة، الحل يبدأ من معرفة أسباب الفساد وكيف وصل إلى هذا الحد؟ ثم تقديم طرق علاجه بصورة عقلانية تجتث جذوره، ودراسة الأسباب ووضع الحلول الناجعة له هو المفروض والأنسب في ظل خطاب معارض ينتقد كل شيء ويتحامل على كل شيء، رغم أن هناك منتسبين لأحزاب معارضة يمارسون الفساد ويفعلون ذات ما هم ينتقدون في صورة علنية تدل على التناقض وتفقدهم المصداقية في الشارع، وأتمنى أن يأتي اليوم الذي نرى فيه جميعاً اليمن وقد دفنت الفساد وهالت عليه التراب، لكن الأمر يتطلب جهوداً مضنيةً وتلاحماً وطنياً قوياً ضد هذه الآفة الخطيرة، وبالعزم والإصرار والإرادة نضع الحوادث أمام غول الفساد وننهي وجوده. الخطاب الوطني { وأنت تقرأ بعض الصحف تخاف على الوطن، فالخطابات المتناقضة والمتضاربة تفقدك القدرة على تحقيق قدر ولو بسيط من الفهم وتحليل ما تقرأ من قضايا بصورة منطقية، خطاب الصحافة - المعارضة بالذات - وللأسف ينم عن لا عقلانية في التعامل مع الوطن والثوابت والقواسم المشتركة بغطاء نقد الحكومة ومتابعة سلبياتها ومكامن الأخطاء في سياساتها، لكن كل ذلك - رغم حقها في الانتقاد وكشف السلبيات - يتم بصورة ممقوتة خالية من المنطق وأدب الخلاف والحوار، رغم أن الخطاب الصحفي لابد أن يكون خطاباً تنويرياً عقلانياً يتسم بالوضوح وبالتحليل البعيد عن الغوغائية وتصفية الحسابات التي ما أرى إلاَّ أنها الطاغية على ذلك الخطاب دون ضوابط وتعبر عن انتقاد معاني حب الوطن والمحافظة عليه، وكم من أخطاء جسيمة فعلتها الصحافة كادت تورد اليمن موارد الهلاك باستعداء الخطاب المعارض الآخرين عليه لولا حصافة القيادة السياسية وقدرتها على التعامل مع ما تفعله الصحافة. إن الصحافة مهنة عظيمة، والكتابة أشرف مهنة في الوجود، والصحفي النزيه هو الذي يضع الوطن نصب عينيه فلا يكتب إلاَّ وهو مسؤول عن كتابته في عدم الإضرار بالوطن، والطريقة الوحيدة للنقد والمكاشفة تكون بصورة موضوعية وطرح عقلاني ونقاش هادئ مبني على النقد البنّاء والكلمة المسؤولة، ومحاولات تشويه صورة اليمن بدعاوى كشف الفساد وبتلك الطريقة الفجة يجعل القارئ يفقد المصداقية فيما يقرأ، ولو كانت المعارضة صادقة في خطاباتها الرنانة وفي تبنيها لقضايا المواطن منحازة لصفة حقيقية لا مجازاً لحازت على الأغلبية الساحقة، غير أن المواطن الذي هو صاحب الحكم أولاً وأخيراً يعرف أن كل ذلك كلام في كلام ولم يعد يرى أمامه إلاَّ صورة سوداوية لكل ما يقرأ من تفاهات تصل حد السقوط ونزع ثقته ممن يتاجرون باسمه لأغراض واضحة ومجردة من شوائب الافتعال الرخيص والانفعال الأرعن، ولن تفلح الصحافة في اليمن ما لم تترفع في مادتها الصحفية وتعتمد خطاباً وطنياً رصيناً مؤسساً على القيم الوطنية، ملتزماً بثوابت الوطن المجمع عليها، والصحافة المتميزة والناجحة هي تلك التي تقود الرأي العام وتشكل وعيه السياسي والثقافي نحو الأفضل، لا تلك التي تقف موقف المزايدة والبهتان في القول وتشبه مادتها ما يقول العوام في مجالس القات وهم يتناولون الحدث بشيء من السذاجة، خطاب الصحافة هو خطاب الوطن والترفع عن المماحكات وتبادل الاتهامات هو الذي سيتيح للوطن الانخراط في ركب العصر محملاً بقيمه ومبادئه، فخوراً بشخصيته الفريدة يحدوه الأمل وهو يرى الأفق الجميل بمستقبل أجمل. أساس التقدم { هم الشباب صانعو الغد الباسم وزارعو الآتي المثمر، أمل الأمة وطموحها الذي ترى فيه مستقبلها الواعد والمبشر بالخير، والشباب اليوم على كثرتهم تحيط بهم مشاكل متعددة ومصاعب جمة تستلزم من ذوي الشأن النظر إليهم بعين التقدير والاعتبار وإيلائهم كامل الرعاية والاهتمام، وللأمانة فالقيادة السياسية والرئيس شخصياً يولي الشباب جانباً كبيراً من الرعاية، لكن تطوير الوسائل في شحذ همم هؤلاء الشباب، فتياناً وفتيات، وترشيد طاقاتهم وإمكانياتهم التي تتميز بالحيوية والعنفوان، وتذليل المصاعب أمامهم وإهدائهم للصواب هو الذي يضمن بناء جيل وطني رشيد وقوي قادر على العطاء وتفجير الطاقات المخبوءة. الشباب يحتاجون يداً حانيةً لطيفة تأخذ بأيديهم، ورئيس الجمهورية صاحب جهد وتفكير متواصل في هذا الأمر، وتوفير كل ما يعين الشباب على المعرفة والوعي والرياضة والثقافة هو الذي يفتح أمامهم آفاق المستقبل بكل دراية وعلم. هناك من يستغل الشباب - لا شك في ذلك - ولولا ذلك الاستغلال ما انخرط بعض الشباب بجهل ودون وعي مع حركة التمرد العنصرية، وهناك أحزاب تستغل حيوية الشباب وقدرتهم على البذل بما يتمتع به سنهم من انطلاق فتستخدمهم لتحقيق ما تصبو إليه، وهناك أفكار غربية هدامة قادمة من الخارج تستهدف مسخ الشباب وإغراقه في مستنقعات التحلل والتميع والانحراف. كل ذلك يتطلب ديمومة جهد ونضوج تفكير وترشيداً للشباب لكي يعوا ما حقيقة وجودهم وكيف يصرفون طاقاتهم وإمكانياتهم في سن البذل والعطاء، وقبل كل هذا يعرفون أين يقف الوطن من التحديات الداخلية والخارجية وأين يقفون هم وكيف يكونون حجر عثرة أمامها، وكيف أنهم ركيزة أساسية في المجتمع اليمني وهم أساس التغيير وقادة المستقبل وغد الوطن المشرق، بهم تتحقق المنجزات ولهم تطلق الأمنيات وبعطائهم ينبلج النور من رحم الظلم والظلام وعليهم مسؤولية الحفاظ على وحدة وطنهم وأمتهم، ومنهم تنطلق قوافل الابتكار والإبداع، فيلامسون ضوء النهار، ويتمتعون بجمال القمر في الليل ملتزمون بدينهم الحق، فخورون بوطنهم المجيد، معتزون بقائدهم وأبيهم البار بأبناء وطنه الأخ رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح، حريصون على أن يكونوا من الوطن وإليه لا عليه، وإذا ما تحقق ذلك فقد امتلكت اليمن المستقبل، خاصة وشباب اليوم يتمتعون بقدر من الرعاية والاهتمام أكثر بكثير من ذي قبل، الجامعات، المعاهد، المراكز الثقافية، الأندية، تعميم الحاسوب... الخ من الخدمات التي وجدت بفضل الله تعالى ثم بحرص القيادة وثمرة من ثمار وحدة الوطن، وهم أساس التنمية والتقدم، فما كان للتقدم مكانة ولا للتطور رفعة بدون الشباب، فهم أنصار الوطن وأبناء القائد، يبذلون كل غالٍ ورخيص لوطنهم الممتد ترابه، العظيم تاريخه، العريق وجوده. عنوان التحدي { والثقافة هي عنوان التحدي الأكثر حضوراً اليوم على مستوى الداخل الذي يتقوقع وتركد مياهه فتحتاج إلى تحريكها من أيادٍ وعقول مبدعة تنضج فكراً ومعرفةً، وعلى مستوى الخارج الذي يغزو ويهدف إلى مسخ العقول وتزييف الوعي وتحريف السلوك حتى يكون الفرد أو المجتمعات المتلقية عبارة عن أجساد ظامئة وعقول خاملة تحيط بهم المفاهيم الخاطئة لمعنى الثقافة وتدفعها التبعية إلى التقليد دون معرفة، وللأمانة فالثقافة في اليمن بدأت من قريب تظهر بوادر نجاحها، خصوصاً في الهيئة العامة للكتاب التي كان يرأسها الأستاذ خالد عبدالله الرويشان، وزير الثقافة والسياحة حالياً، فبعد أن كانت اسماً لا حضور له جعل منها اسماً ومعنىً وحضوراً ووجوداً، فتبنت العديد من الإبداعات الشبابية وأعادت طباعة العديد من الإصدارات الفكرية والتاريخية والعلمية والأدبية وغير المحدودة بحدود جغرافية الوطن وعربية الهوية من خلال تبني ترجمة وطباعة بعض الأعمال العالمية مثل افتتاح المكتبات العامة خطوة متميزة مليئة بالشعور بما يعانيه الوضع الثقافي والركود الذي ظلت تحيا تحت ظله الثقافة في اليمن، وهي المكتبات التي بدأت تجذب الكثير من الشباب والشابات لحب الاطلاع والقراءة، وكانت مناسبة «صنعاء عاصمة للثقافة العربية 4002م» نقطة انطلاق نحو المستقبل، وبين المذهولين مما قامت به وزارة الثقافة والسياحة وفارسها النبيل الأستاذ خالد الرويشان بتوجيهات رئاسية، وبين المتحاملين الذين رأوا أن العاصمة الثقافية لم يحسن استغلالها، كان الجدل أكبر دليل على النجاح والتميز ربما في حدود ما أتيح، والثقافة هي عنوان التحدي يبقى أمامها الكثير مما عليها فعله في ساحة الإبداع والفن والأدب، منها الاستمرار في تبني المواهب الشبابية المتميزة، وليس كل من هب ودب، وإبراز أعماله الإبداعية بطباعة أو المساعدة على طباعة تلك الأعمال حتى ترى النور وتجد لها المكانة المناسبة، ورفد المكتبات بكل جديد ومفيد مع ضرورة تقصي وضع تلك المكتبات التي لا يبدو أن بعض القائمين عليها يحرصون على ما فيها من ثروة فكرية وأدبية، فتختفي بعض الكتب ويزعم سرقة البعض الآخر بصورة درامية مأساوية تكشف عن اللامبالاة والتسيب والقرصنة، أضف إلى ذلك إتاحة المجال للمغمورين من الشباب المبدع وفتح قنوات التواصل معهم، وتقديمهم للمراكز والمنتديات الثقافية لعرض إبداعاتهم المختلفة أمام الجمهور، وكذا الاهتمام بالمبدعين في كل أنحاء الوطن، خاصة وأن كثيراً منهم لا يزال يحتاج إلى رعاية خاصة، والمستقبل يبتسم لليمن كلما أدرك أبنائها معنى الثقافة وجوهرها وتمثلوها سلوكاً ومعرفةً وحياةً. زمن التقلبات { وفي عصر تسوده الأنانية ونزعات الإقصاء والإلغاء والرغبة في التحكم والسيطرة في عالم يعيش كثيراً من التناقضات والتباينات، وتتسارع في حياته الكثير من المتغيرات والتقلبات حتى ما عاد إنسان هذا العصر يستطيع الجزم بثبات أمر ما، فمن المتغيرات الدولية حدثت التغيرات السياسية وانتقال العالم من كابول الحرب الباردة إلى فوهة القوة العظمى الوحيدة، والتغيرات الاقتصادية وخضوع العالم للسيطرة الرأسمالية واقتصاد السوق واحتكار الأسواق الحرة لصالح الشركات العابرة للقارات والتجارة العالمية، والتغيرات الثقافية وانتقال العالم من الخصوصيات إلى العولمة التي تطمح إلى إلغاء الثقافات والحضارات وتذويب الكل في بوتقة الأمركة المزعومة وغيرها من التغيرات والتقلبات السريعة التي لا يمر يوم إلاَّ والعالم شيء جديد وسريع يختزل حتى لحظات الإنسان، فيجعل حياته محسوبة بالدقيقة والدولار. في هذا الزمن تقف اليمن بثبات بطولي نادر أمام كمٍّ من التحديات مخيف، مثلها مثل غيرها من أقطار الأمة، لكنها تتميز في طريقة تعاملها مع الأحداث في سياساتها الداخلية والخارجية بثبات ومرونة تحسد عليهما، فعلى مستوى الداخل تعاملت القيادة السياسية مع ما يسمى بالإرهاب بصورة ملفتة جنبت اليمن ويلات وأزاحت عن كاهلها أثقالاً وهموماً واتهامات بعضها كانت اليمن تتصدر القائمة لديه، لكن موقفها الواضح من هذه الآفة جعل الكثير من صناع القرار في دول العالم يراجعون حساباتها ويسحبون اتهاماتها، وتعاملت القيادة السياسية كذلك مع عدد من الشباب المغرر به، والذي خضع لإملاءات وإغواءات متعددة جعلته يسلك درب الغلو والتطرف، تعاملت معه بالحوار والإقناع والتبصير، فصارت تجربتها مثلاً يحتذى به وعنواناً بارزاً أوعز لكثير من دول العالم طلب كيفية التجربة التي تمت بها هذه القناعة التجديدية لتطبقها في بلدانها، وعلى مستوى السياسة الخارجية أثبتت اليمن أنها وطن الثبات والمبدئية والمصداقية والعقلانية، فكان موقفها في النزاع المعروف على أرخبيل حنيش ضربة قاصمة لمن أرغوا وأزبدوا، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وقضية الحدود التي ظلت معقدة فترة من الزمن، تجاوزها رئيس الجمهورية بعقلانية أوضح من خلالها صدقيته في السلام ورغبته في الوئام، كما أن مواقف الرئيس والحكومة والشعب واحدية في قضيتي فلسطين والعراق وغيرهما من القضايا التي كان رئيس الجمهورية، رمز النظام والوطن، يثبت فيها مبدئيته وصدقه مع نفسه ومع شعبه ومع العالم أجمع، حتى غدت هذه المواقف علماً بارزاً في طريق الاعتدال والوسطية العالمية، وهي لا تفعل ذلك خضوعاً لما يعيشه العالم من تغيرات، بل هي أمر ديني وقيم المجتمع اليمني الأصيل المتميز في قائده وشعبه وأرضه وثقافته القائمة على التسامح على مرور الزمن. وأخيراً { أعترف في الأخير بكثير من التقصير في هذه المقالة، ربما لأن الحيز قليل فشابها القصور، وربما لأنني نسيت نقاطاً لم أذكرها، لكنني اكتفيت بالتطرق إلى رؤوس الأمور وأهم الجوانب التي ما أرى اليمن في البناء والتنمية لا مستقبل لها بدونها باعتبارها من الأساسيات والأولويات، وعلى حجم الإرادة والعزم يكون الإنجاز والنجاح، ولا أخفي عن القارئ أننا رغم كوننا بلد نامٍ، لكن لنا إنجازات تفوق الكثير من الدول ونتقدم بتجاربنا عليها. وأخيراً أتمنى ألاَّ أكون قد تحاملت على أحد، كما أتمنى ألاَّ أكون قد أجحفت في ما تطرقت بالسلب أم بالإيجاب، لكن ما يهمني وما هدفت إليه في هذه المقالة المطولة هو أن تقدمنا نحو الأمام لن يتحقق إلاَّ بالتعاون والوئام في استراتيجية البناء والتنمية، وتبقى أمامي نقطتان مهمتان : الأولى شعور الإنسان بالفخر على ما تقدمه القوات المسلحة والأمن لأجل سيادة الوطن، والأخرى قد أتناولها مستقبلاً بشيء من التوسع وهي قضية المرأة في اليمن، ولست أزعم حين أقول أنني أرى مستقبل اليمن الجديد رأي العين وهو يتخطى الصعاب ليلج المستقبل بكل ثبات وعزم.

    Bookmark and Share

هل تؤيد فكرة انشاء الأقاليم كأحد مخرجات الحوار الوطني ؟


النتيجة