الأستاذ المساعد بقسم الجغرافيا – كلية الآداب بجامعة حضرموت متحدثا عن : "هجرة الحضارمة إلى شرق إفريقيا" امتداداً لسلسلة محاضرات حول هذا الموضوع ينظمها الاتحاد.
ركزت المحاضرة على محاور هي:
1. مراحل الهجرة الحضرمية إلى شرق إفريقيا
2. عواملها
3. تأثيراتها.
"الهجرة الحضرمية بدأت منذ وقت قديم ولا زالت مستمرة حتى الوقت الحاضر فأصبحت الهجرة جزءاً من الشخصية الحضرمية حتى أن بعض الباحثين أطلق عليهم اسم الشعب المهاجر".
المحور الأول : مراحل الهجرة :
وقد قسمها الدكتور رزق إلى رمحلتين :
1. الهجرة المبكرة(القديمة): وقد مرت بمراحل:
- في عهد دولة حضرموت القديمة:
يعود هذا إلى بداية الدولة الحضرمية لأن دولة حضرموت قامت على أساس من العمليات التجارية سواء البرية أو البحرية .. وتبع ذلك (التوجه البحري) هجرات من حضرموت.. ولكن هناك اختلاف في تحديد البدايات .
هناك ثلاثة آراء: الأول: يعود إلى العوامل الجغرافية: ويعتقد أنها تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد أو قبل ذلك بقليل ثم توالت بعد ذلك حتى الوقت الحاضر وتعزى هذه الهجرة إلى التغيرات التي أصابت البيئة في حضرموت.
الرأي الثاني يعتمد على النقوش ويقول أن بدايتها في حوالي 2500 قبل الميلاد .
الرأي الثالث يحدد البدايات على الوثائق التاريخية ومنها الدليل الملاحي للبحر الإريتيري والذي وجد فيه أن هناك اتصال بين الجماعات البشرية الموجودة على ساحل بحر العرب وبين تلك الموجودة في شرق إفريقيا ولكن لم يفسر أسباب هذا التواصل ولكن هناك عوامل متفق عليها لهذه الظاهرة .. فالبعض قال إن هناك دورة جفاف والبعض الآخر يقول إن السبب هو تغير نسبي في الظروف المناخية.
وهذا التغير أدى إلى التغيير في توزيع الضغوط الجوية وأنواعها فوق الجزء الجنوبي من الجزير ة العربية وامتداد الجفاف إلى حضرموت .. والاستناد في ذلك إلى طبيعة المنتج الزراعي في حضرموت في الماضي والحاضر.
ففي الماضي كانت محاصيل المنطقة الرطبة موجودة والآن محاصيل المنطقة الجافة ..
فعندما تحولت حضرموت بهذه الظروف إلى منطقة جافة تغير إنتاجها الاقتصادي وبالذات اللبان الذي أصبح معدوما أو نادرا وهذا مادفعهم إلى البحث عنه في مناطق أخرى عبر البحر وهذا ماوصل بهم إلى شرق إفريقيا .. وكان حجم التيار المهاجر كبيرا في هذا الوقت .
و القبيلة التي هاجرت لهذا السبب هي قبيلة (حبشت) الواقعة في الطرف الجنوبي لمحافظة حضرموت والتي سميت الحبشة باسمها بعد أن سكنتها وانتشرت في بقية مناطق شرق إفريقيا.
- في عهد السيادة الإسلامية:
منذ ظهور الإسلام حتى بداية الوجود البرتغالي في مياه المحيط الهندي .. فمنذ ظهور الإسلام تطور العلم .. فأول آية نزلت (اقرأ باسم ربك الذي خلق) وبتطبيق الحضارمة لهذه التعاليم الدينية في ما يتعلق بالمعرفة الإنسانية وبهذا بدأ الاهتمام بكل ماهو موجود في البيئة الطبيعية .. ووظفوا إمكانياتهم للخروج من مشكلاتهم فبدأ الاهتمام بالرياضيات وعلم الفلك والفنون والآداب والملاحة , فظهرت المراكز العلمية ..ففي تريم(الداخل) ظهرعلم الفلك الزراعي ..وفي الشحر(الساحل) بدأ الاهتمام بالبحر وظهر هنا فطاحلة العلوم البحرية ومنهم الملاح سليمان المهري الذي وضع دليل الملاحة البحرية في منطقة المحيط الهندي ..الذي عده الدكتورحسن صالح شهاب من أهم المرشدات البحرية...وملاح آخر جاء في فترة متأخرة هو سعيد سالم باطايع من منطقة الحامي.
هذا التطور النسبي في العلوم البحرية حوّل المحيط الهندي إلى بيئة إسلامية يسيطر عليها الحضارمة إضافة إلى العمانيين وأصبحت الحركة التجارية البحرية سهلة .. فخرجت من حضرموت تيارات مهاجرة منها المنظم الذي خرج للفتوحات الإسلامية وما كان هدفه التجارة ونشر الإسلام وغيرها من التيارات الأخرى.
- في عهد الوجود البرتغالي:
بداية السيطرة في المحيط الهندي تعود إلى بداية حركة الكشف الجغرافي ووصول فاسكو ديجاما والطواف حول الساحل الشرقي لإفريقيا فلفت الأنظار إلى أهمية هذه المنطقة التجارية للربط بين أوروبا والهند وهذا إنجاز علمي تحول إلى كارثة في منطقة المحيط الهندي لأنهم منذ وصولهم قاموا بإعادة رسم خطوط التجارة في المنطقة فحولوا خطوط التجارة من الهند إلى ممباسا وهذا أدى إلى خروج حضرموت وعمان من الدائرة الاقتصادية التجارية للمحيط الهندي فعم الكساد الاقتصادي في هذه المنطقة وأصبحت منطقة عسكرية محرمة على هؤلاء الناس الذين ليس لديهم أساطيل حربية , ومعظم المراجع تشير إلى أن الهجرة من حضرموت في العهد البرتغالي توقفت تماما.
- في عهد الحكم العماني:
مكانة البرتغاليين أخذت في التدهور بعدما خضعت بلادهم للتاج الإسباني وهنا بدأ العمانيون بتنظيم أنفسهم ومطاردة البرتغاليين وإخراجهم من كل المناطق في حوض المحيط الهندي من زنجبار وحتى مسقط..وبذلك بدأ الاتصال البحري بين عمان وشرق إفريقيا واستفاد الحضارمة منه بحكم الجوار مع عمان والخبرة التاريخية في الإبحار في منطقة المحيط الهندي ..واعتمد العمانيون عليهم في تنظيم التجارة وفي الإعلام وفي القضاء.. وبالتالي زادت الهجرة إلى شرق إفريقيا بعد انتهاء الوجود البرتغالي في المنطقة.
2. الهجرة الحديثة:
الباحثون يجعلون عام 1839م والاحتلال البريطاني لعدن نقطة فاصلة يكون ما بعدها هجرات حديثة وماقبلها هجرات مبكرة (قديمة) .. وقد قسم الدكتور رزق فترة الهجرات الحديثة إلى شرق إفريقيا إلى ثلاث مراحل على أساس الواقع الجغرافي السائد في حضرموت :
- 1940-1966م وفي هذه الفترة كان كل من حضرموت وشرق إفريفيا تحت سيطرة بريطانيا..فزاد حجم التيار المهاجر إلى شرق إفريقيا نظرا لحدوث نهضة في شرق إفريقيا في هذه الفترة حتى أصبح شرق إفريقيا في ذلك الوقت بالنسبة للحضارمة كالخليج اليوم..كما ساعد على ذلك السيطرة اليابانية في شرق آسيا وعدم جدوى الهجرة إلى هناك..
- 1967-1989م توقف خط الهجرة من حضرموت إلى شرق إفريقيا في هذه الفترة بل حصلت هجرة عكسية , وارتبط ذلك ببعض التغيرات في شرق إفريقيا.
- 1990-2004م حصل تنشيط للهجرة من حضرموت رغم سوء الوضع الاقتصادي في شرق إفريقيا ولكن الهدف كان الحصول على الجنسية هناك وبها يمكن الوصول إلى أي دولة أوروبية أو أمريكية وخصوصا المهاجرين إلى كينيا لأنها من دول الكومنولث البريطاني ..وكل ذلك كان قبل تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام الذي بدأ معه التضييق عليهم وبالتالي تراجع الهجرة.
المحور الثاني:عوامل الهجرة:
منها : موقع الجوار الجغرافي و المناخ أيضا :
- العامل الديموغرافي : والذي يأتي من عملية الزيادة السكانية وعلاقتها بالموارد وهنا تختلف الآراء ..وعموما بزيادة عدد السكان في حضرموت حصلت الهجرة من حضرموت إلى شرق إفريقيا..
- العامل الاقتصادي : ويتلخص في اختلال العلاقة التوازنية بين السكان والموارد .. فالزراعة مثلا مختلة في حضرموت منذ القدم وحتى الوقت الحالي .. فتراجع الإنتاج الزراعي أدى إلى تراجع الإنتاج الغذائي وبالتالي الهجرة.
- العوامل الاجتماعية : لها دور مهم حيث تكونت صورة ذهنية عن شرق إفريقيا بفعل أخبار المهاجرين عند عودتهم وتقديم المساعدات لهم هناك ..فهناك بيت في تانجا لكل حضرمي يذهب إلى هناك يقدم له الغذاء فيه ويُبحث له عن عمل ثم بعد ذلك يقوم بتسديد ما عليه من أقساط..هذه الصورة أدت إلى زيادة الهجرة الحضرمية إلى شرق إفريقيا.
- العوامل السياسية : مسئولة عن هجرة الحضارمة كالصراعات التي حدثت في حضرموت .
المحور الثالث: آثار الهجرة :
- نشر الإسلام: في كل خطوط الانتشار في شرق إفريقيا .. فحيثما يوجد مهاجرون توجد مساجد حتى في القرى الصغيرة جدا .. ودور الحضارم في انتشار الإسلام يأتي من مظهرين : أولهما شكل المساجد الذي يماثل في شرق إفريقيا ما يوجد في حضرموت , والمظهر الثاني هو ممارسة الشعائر الدينية ففي كل خميس يقام مولد .. وحتى خطب الجمعة تماثل الخطب التي كانت في حضرموت وحتى ذكر الخلفاء الراشدين فيها , وكذلك قراءة الفاتحة بعد كل صلاة , وهذا كله يؤكد أن الدور الأكبر في نشر الإسلام هناك كان للحضارمة وليس للعمانيين .
- التأثير التعليمي: فأول ما وصل الحضارمة هناك نشروا التعليم ونقلوا أساليب التعليم من حضرموت (المعلامة أو الكتاتيب) والتي كانت ملحقة بالمساجد كما أنشأوا مدارس حديثة كما يتم تعليم اللغة العربية.
- التأثير اللغوي: لم يفرض الحضارمة اللغة العربية على الناس في شرق إفريقيا بل اكتفوا بدمج بعض الألفاظ مع اللغات الأخرى رغم انتشار اللغة العربية كونها مهمة جدا للمسلم في صلاته وشعائر دينه الأخرى.
- إنشاء المراكز الخدمية والاجتماعية : حيث قاموا بإنشاء المستشفيات التي يكتب عليها مستشفى الجالية الحضرمية في المنطقة .. وهي لا تقتصر على شخص دون آخر بل تقدم الخدمة العلاجية للسكان الأصليين والمهاجرين على حد سواء.
وكذلك تقديم الدعم لذوي الاحتياجات الخاصة حيث تنشأ لجنة حضرمية لحل أي مشكلة في مناطقهم كانتشار مرض أو غير ذلك.
بناء المراكز الثقافية : ووجود الإذاعة باللغتين السواحلية والعربية في أكثر من منطقة , كما توجد أيضا المكتبات لتعليم التعاليم الإسلامية.
حل مشكلات المياه والتأثيرات العمرانية: فنمط العمارة هو العمارة الإسلامية ذات الطابع الحضرمي , بالفصل بين النساء والرجال وكذلك رسم اتجاه القبلة في غرفة الضيوف.
النتاج الاقتصادي: ويمكن حصر هذا التأثير في التجارة , فمعظم المحلات التجارية التي تعمل في تجارة التجزئة هي للحضارمة.
التنمية الصناعية في شرق إفريقيا : حيث وضعوا مرتكزات التنمية الصناعية من خلال إنشاء مصانع للبلاستيك والمياه الغازية والمعدنية والأحذية , وساهموا بذلك في حل أهم مشكلات شرق إفريقيا وهي البطالة.
النقل: كان للحضارمة دور في هذا الجانب سواء في النقل البري أو البحري.
فالحضارمة أعطوا شرق إفريقيا وأخذوا منها وحصل بذلك الاندماج والوئام والألفة نتيجة للدور الإنساني لهم .
بعد ذلك أثيرت بعض التساؤلات والاستفسارات وقدمت بعض الملاحظات من قبل الحضور رد الدكتور رزق الجابري عليها .
يذكر أن اتحاد أدباء المكلا قد نظم قبل هذه المحاضرة محاضرتين عن هجرة الحضارمة , الأولى للدكتور صادق عمر مكنون نائب رئيس جامعة الأحقاف تحدث فيها عن أثر الحضارمة في المهجر والأخرى للدكتور عبدالله سعيد باحاج تحدث فيها عن هجرة الحضارمة قبل الإسلام.