مقالات عـامـة
/
العيدروس ناقداً غناسيقياً
المكلا السبت 05 /ابريل/2025 | 06:11
العيدروس ناقداً غناسيقياً
موقع محافظة حضرموت/د.عبده بن بدر (محاضر بكلية الآداب جامعة حضرموت ) - الثلاثاء 17 يناير 2012
اجتهد العيدروس وحاول أن يتجاوز نفسه في كتابه الموسوم بـ (مقدمات في الأغنية الحضرمية ) وكشف في تناوله لمسار الأغنية في حضرموت عن حس نقدي غناسيقي ( غنائي موسيقي ) وانماز الكتاب بنكهة خاصة أو (هنك) خاص بلغة الموسيقى في الآراء التي أطلقها على رموز الأغنية الحضرمية وطريقة أدائها وفي المتلقي والعازف والطبيعة التعبيرية للآلات المستخدمة.
وهو بهذا العمل الجاد يعيد للغناء والموسيقى حقهما من الحضور في ظل التهميش المتعمد لهذا المجال الوجداني الذي لايستطيع أن يستغنى عنه الإنسان حتى وهو يناهض الطغاة .
والعيدروس قال كلمته في هذه الأغنية وقوالبها اللحنية الثابتة التي توارثها الأجيال جيلاً بعد جيل ، ولم يحدث دخول الآلات الحديثة تغييراً في نسيج الأغنية الحضرمية ، فلا الهارموني الذي أدخل في مطلع القرن العشرين على يد غلام الدين أثر، ولادخول الآلات الموسيقية التي عزفت عليها فرقة بلقيس عام 1972م قد أثرث أيضاً ، وهذه الآلات هي الجيتار ، والأورغ ، والأكورديون ويعلل العيدروس عجز هذه الآلات بأنها لا تستطيع مساحتها النغمية أو قدرتها التعبيرية الموسيقية أن تعزف ربع التون بوصفه مزية للهنك الغنائي الحضرمي وعليه فإن العيدروس قد أعلن أن تطور الأغنية الحضرمية التقليدية كان بطيئاً. ولا يعني ذلك أن الأغنية لم يمسها التجديد بل حظيت بهذا التجديد على يد من مضوا في تطوير أنفسهم وثقافتهم الموسيقية وبخاصة عبدالرب إدريس وأبوبكر سالم بلفقيه وهذه مسألة تحتاج أبحاثاً معمقة ولا أظن أحدا يخالفني الرأي فيها . وبمناسبة التجديد والتلحين يرى أن الملحن في الماضي يلحن في الغالب من دون آلات وبطريقة شفاهية وتأتي الآلات لتحاكي هذه الألحان وقد تركت, هذه الشفاهية أثرها في الأغنية الحضرمية التقليدية وعلى فطرية وتلقائية هذا الملحن التقليدي الا أن ألحانه لاقت حظوة وشهرة عند الجمهور .والذين حاولوا في لحظة من اللحظات التاريخية أن يلحنوا بطريقة أكاديمية وأكثر تطوراً لم يلاقوا الشهرة نفسها التي حظي بها الملحنون الرواد الأوائل . ولا أظن أن الملحن التقليدي في ظل التطور الهائل في الموسيقى قادر على منافسة من هم من ذوي الخبرة الأكاديمية على تقديرنا الكبير لعبقرية الملحنين من هذا النمط.
إن ممارسة العيدروس ليست للحن حسب بل العزف الجيد والطويل على الكمنجة جعله يعي أهمية العازف في صناعة الأغنية ورغم هذه الأهمية إلا أنه يهمش ولا يعطى حقه من الحضور ولا يذكر العازف في الكثير من الكتابات التي سجلت لللأغنية الحضرمية .
ويحسب للكاتب عمر بن ثعلب أنه أنصف العازف سعيد عبداللاه الحبشي في كتابه الموسوم ب( محمد جمعه خان حياته وفنه) . فهذا العازف كان له الفضل في إعطاء أغانيه نكهة خاصة ليس هو وحده بل ناقر الدف بكار باهيال . والأمر نفسه ينطبق على أغاني كرامه مرسال فقد كان لعمر العيدروس والأستاذ أحمد مفتاح إسهامات طيبة على أغاني هذا الفنان . ولا ننسى عبدن والمجال لايتسع لذكر الجميع .
إن العيدروس قدم معطيات تاريخية وصرح بأن شيخ البار قد سبق محمد جمعه خان بخمس عشرة سنة ومهد لانتشار الأغنية الحضرمية قبله ويحسب له أنه أسهم في كسر الشفاهية التي اتسمت بها الأغنية الحضرمية , وكان للحاكي ( الجرامافون ) وظهور الإذاعة دور واضح في تعزيز انتشار الأغنية الحضرمية . واللافت أن محمد جمعه ـ ويقر بذلك العيدروس نفسه ـ أنه من الفنانين الذين امتلكوا طاقة إبداعية رائعة وبتعبيره نصاً : بأن تجربته من تلك (التجارب الإبداعية التي امتلكت من العمق والنفاذ ومن ثم القدرة على التأصيل ما منحها الحياة والاستمرارية التاريخية تبدت عبر الكشف عن مستويات الجمال الكامنة وطاقة الإبداع فيها مما يؤكد مبدأ مشروعية التواصل الذي يقوم عليه أساس كل عمل فني غنائي) ص 173وبالفعل حظيت تجربة محمد جمعه خان بتقديرٍ طيبٍ من جمهور المكلا وخارجها .
ورأى العيدروس أن موجة التأثير الهندي في الأغنية الحضرمية كان عابراً ولم يتحول إلى ظاهرة أصيلة . ويحسب للبار ابتعاده عن التأثير الموسيقي الهندي الذي لم يسلم منه معاصروه في إندونيسيا. إن الرعيل الأول الذي أسهم في صناعة الأغنية التقليدية قد أسس قاعدة سمعية رائعة خرج من معطفها مستمع رائع أيضاً وامتدح العيدروس هذا المستمع الذي كان موجوداً في العشرينات من مطلع القرن العشرين واستمر حضوره إلى ما بعد هذه المرحلة فقد كان يتمتع بقصائد مغناة لكبار الشعراء من أمثال الأخطل الصغير وعنترة وغيرهم لكن هذا المستمع تراجع بعد الستينات واليوم اختفى مثل هذا المتلقي الممتاز للأغنية وأصبح يسمع برجليه ويديه بدلاً من أذنيه ، وكان هذا المتلقي متنوعا في استماعه ، إذ كان حي الحارة ( الشهيد خالد ) كان يميل إلى أغاني العوّادي والخيّالي ، وبعض الأغاني ذات النكهة الهندية ، وحي ( برع السدة ) كان يميل إلى أغاني المحضار والمفلحي والكالف وسالم جبران ، وهي أغان ذات إيقاع مشقاصي ، في حين أن حي الشرج ( العمال ) يميل إلى الأغاني الشرحية الخفيفة ، وغير أن هذا التنوع الآن قد تغير كما ذكر .
إن الأغنية الحضرمية الشعبية أغنية أصيلة لكن الصعوبة كما يرى العيدروس في استعصائها على التدوين الموسيقى الدقيق لأنها في كل مرة تؤدى فيه تكون طريقة الأداء مختلفة . ومن الأفضل أن يُستمع إليها من فم المغني مباشرة وهنا تكون متعتها وجمالها كما نصح بذلك جان لامبير في كتابة (طب النفوس ) ولا ننسى أن الأغنية الشعبية جزء من هويتنا الحضرمية والهوية لا توجد جاهزة وناجزة بل تُصنع صناعة وإذ لم نحافظ عليها ونطورها تذوي وتتلاشى . والعناية بالأغنية يعني العناية بوجودنا الجميل وحياتنا المفعمة بالأمل والفرح بحياة حرة كريمة . إن كتاب العيدروس تناول الكثير من القضايا المرتبطة بالأغنية الحضرمية . يمكن للقارئ أن يعود إليها بشي من التفصيل في المتن نفسه . كل الشكر والتقدير للعيدورس وألف تحية لمكتب وزارة الثقافة بمحافظة حضرموت ـ المكلا والذي تحمل عبء إصدار هذا الكتاب الذي يُعد من سلسلة إصدارته الكتاب العاشر . ومثل هذا الإنجاز يحسب لمكتب وزارة الثقافة ومديرها الأخ / صالح سعيد باعامر .
في الأخير أتمنى ممن لهم علاقة مباشرة بعالم الغناء والموسيقى في حضرموت أن يقولوا كلمتهم في هذا الكتاب وبخاصة الأستاذ / أحمد مفتاح وطارق باحشوان والأحمدي ومحمد باعباد .
بحث متقدم
هل تؤيد فكرة انشاء الأقاليم كأحد مخرجات الحوار الوطني ؟
نعم
لا
لا أدري
النتيجة
جميع الحقوق محفوظة
شبكة مواقع محافظة حضرموت 2005 - 2025
تصميم و إدارة
شركة التجارة الإلكترونية اليمنية المحدودة
اتفاقية استخدام الموقع
|
رسالة لحماية الخصوصية