توقعوا تحولها إلى ظاهرة فاعتبروها عادة سيئة .. مدخل السنة الهجرية في عيون أطفال سيئون
   
موقع محافظة حضرموت/أمجد عبداللاه باحشوان - الأربعاء 9/1/2008
mdkhl-year.JPG
(مدخل السنة بركة .. والسيل فوق الدكة .. يا لبان يا كوكبان ..بعّد إبليس الشيطان).. بهذه الأبيات الشعبية استقبل اليوم أطفال مدينة سيئون عامهم الهجري الجديد وترنموا بها ليملئوا الأجواء بعبير ابتسامة عريضة استنشقها الكبار ليروحوا بها أنفسهم عما أدركهم من العام المنصرم وليجددوا بها أملهم ويقووا عزيمتهم ليجتازوا صعاب العام الجديد.
تلك الزهور الواعدة أحيت عادة تراثية حميدة - تغنت بها الأجيال السالفة - فرحا باستقبال عامهم الجديد ورددوا أبياتا شعبية تمايلت بها حناجرهم الذهبية ، وعطروا المساجد والأزقة والبيوت والأسواق ليطردوا منها الشياطين والجان الذين كدروا عيش الناس وأوقعوهم في وحل المصائب والآثام. وعلى أحر من الجمر .. لقد كانوا ينتظرون قدوم رأس السنة.. حتى إذا أقبلت عليهم ناشرة ذراعيها يفوح منها نسيم الورود هبوا إليها وقبلوا يديها وغنوا لها الألحان الجميلة التي تدخل البهجة في النفس العليلة ، ثم رافقوها إلى كل شارع وبيت لتأخذ كلُّ بقعة نصيبها من بركتها ولتشهد سحر جمالها وبريق ابتسامتها. تلك العصافير المغردة التي سكنت أحضان السنة الجديدة تجاوز عددهم المائتين، جابوا شوارع وأزقة مدينة سيئون بأحيائها السكنية وبيوتها الطينية وأسواقها التراثية حاملين معهم المباخر ( المقاطر – وباللغة العامية : البابور) ، وزينوها بالجواهر الحمر لترسل أشعتها الحارقة إلى الدخون والبخور وخليط العلك واللبان فيحصنوا بها الأحياء السكنية والمحال التجارية بالطيب ويملؤوها بالروائح الزكية . هذه العادة التي حرصت مدينة سيئون على إحيائها لسنوات قديمة جدا لا زالت إلى اليوم ولكنها بقالب آخر حيث كان أطفال الماضي – يبخرون بيوتهم كل في بيته بمشاركة كافة أفراد الأسرة – مرددين تلك الأهازيج وسط فرحة غامرة بهذه المناسبة .. لكن فرحة الأطفال بالسنة الجديدة تجاوزت جدران بيوتهم وطالت منازل الجيران ، وهم بذلك طوروا هذه العادة ولم تتوقف عند هذا بل اتسعت رقعتها ليغمروا ببهجتهم المساجد والأسواق . الإعداد لهذا اليوم لا يقتصر على الأطفال وحسب، بل إن أسرهم تشاركهم في ذلك فيعدوا العدة والعتاد من ليلتها ، ولقد كانت من عادتهم قديما أنهم يصنعون نوعا من أنواع الخبز يسمونه (البُر) يضيفون إليه مرق اللحم كوجبة عشاء تخصص للجلسة مع الأهل والخلان - يتذاكرون فيها كيف كانت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، سائلين الله تعالى الخير وقبول العمل الصالح. وفي صباح أول يوم تقوم الأم بتجهيز أطفالها للخروج إلى الساحات والشوارع لإحياء هذه العادة التراثية السنوية.. كما تقوم بتجهيز غداء خاص في هذا اليوم فيه الجديد والمختلف عن الأيام الأخرى. الأطفال في نهاية اليوم لا يرجعون إلى بيوتهم بخُفَّي حُنَين ، كيف وهم أول من استقبل عروس السنة الجديدة عند أبواب المدينة .. ثم لا تكرمهم بشي!! وفي اعتقادهم تجلب السنةُ لهم الهدايا المختلفة لتضعها عند التجار وتأمرهم أن يوزعوها على الصغار على أن يقوم أولئك الأطفال بتبخير معارضهم وطرد الشياطين المختبئة فيه. لكن الكبار لهم رأي آخر، فانقسموا على أنفسهم ما بين راض عن هذه العادة وساخط ، فيرى بعضهم أن هذه العادة التراثية تعتبر فرحة للجميع للكبير والصغير وقالوا : "نحن نعطيهم هدايا تشجيعية للمحافظة على التراث بشكل عام وعندما نعطيهم تلك الهدايا يفرحوا بها وبفرحتهم يرحم الله الجميع فيغدق سبحانه علينا الرزق" . وليس هذا فحسب .. بل ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك فيعتقدون أن بذلك التبخير تطرد الشياطين وتتحول أحوال الناس إلى حال أفضل. أما المعارضون فاعتبروها عادة سيئة ، تطورت في السنين الأخيرة إلى ظاهرة مخيفة ، وقالوا :"تلك العادة ستعوّد الأطفال على التسول ، وقد يجعلونها وسيلة في أي وقت يحتاجون فيه إلى المال" . وأضافوا : "وما أكثر المتسولين هذه الأيام ، ومما يزيد من خوفنا المؤشرات التي أظهرتها أحد الدراسات الحديثة عن احتمال تجاوز عدد سكان اليمن في العام 2033م أكثر من خمسين مليون نسمة ، فخمسون مليون نسمة مع ما يعانيه الشباب من بطالة متفشية كفيلة مع رسوخ هذه العادة في أذهانهم أن يستخدموها في حياتهم ". ومع هذا وذاك ، تبقى هذه العادة التراثية الضاربة في القدم عِقدا من لؤلؤ في أعناق أجيال التكنولوجيا تبهر بلمعانها معالم التطور والعولمة ، وما أبداه الساخطون من رأي – وإن كان ذا نظر وجيه - لا ينبغي أن يميت تلك العادة الحسنة ، ولتعالج النتائج السلبية بما يضمن عدم حصولها ، وذلك من خلال التعليم والتوعية بين أوساط الشباب .
    Bookmark and Share

هل تؤيد فكرة انشاء الأقاليم كأحد مخرجات الحوار الوطني ؟


النتيجة