مراسيم الزواج والأعراس في غيل باوزير .. عادات وتقاليد
   
موقع محافظة حضرموت/ليلى غانم - الخميس : 30/4/2007
hometools.jpe
لكل مدينة أو بلدة في حضرموت عادات للأعراس تبدأ ببحث العائلة عن زوجة لابنها أياماً وشهوراً وأحياناً بضع سنين عن طريق امرأة معروفة في المدينة تقوم عادة بالبحث عن زيجة مناسبة .. بادي ذي بدء يتم البحث عن العائلة المطلوبة وبالتحديد الأب والأم والإخوان في المقام الثاني ثم التحري عن الفتاة :

جمالها أخلاقها مقدرتها على تحمل عمل المنزل .. الخ . ثم النسب والسمعة والوضع الاجتماعي .. وإن طال البحث دون توفر المواصفات المطلوبة ، تلجأ العائلة إلى بعض النسوة اللائي خبرن خبايا العائلات للبحث والتحري وحين تأتي الأخبار المناسبة يأتي دور الخاطبة المحترفة .

حول عادات الزواج والأعراس في غيل باوزير تحدثنا الجدة أم عمر في العقد السابع من عمرها فتقول :

عادات الزواج ومراسيم العرس في الغيل تختلف في أشياء عن المكلا وتتشابه في أشياء أخرى .. ففي الغيل تبدأ العائلة بالاستفسارات والسؤال عن البنت التي يقع عليها الاختيار لتكون زوجة لابنها وغالباً هذا الاختبار يتم من قبل الأهل ويظل الابن لا يعرف شيئاً عن مخطوبته فيما تظل البنت تجهل عما يعتمل أو يدور حولها مثله إلى أن يتم الاتفاق وتحديد موعد الزواج ويوثق هذا الاتفاق آنذاك في المجلس البلدي .

فيتم ( الربوط ) وهو اليوم الأول لمراسيم العرس الذي تُربط فيه الفتاة بعد أن يقال لها "أنت عروس على فلان بن فلان "  .

أما الوالدة جمعة وهي أيضاً جدة عاشت أجواء تلك الفترة تتحدث عن هذا الموضوع قائلة :

من مراسيم الزواج هو البدء بالربوط وهذه العادة معمول بها في المكلا والغيل بل في حضرموت كلها ولا زالت موجودة  إلى يومنا هذا . ففي الغيل يتم ربط البنت في بيت أهلها بعد صلاة المغرب أو بعد صلاة العشاء الفارق أن البنت في هذه الأيام تعرف خطيبها مسبقاً . في الغيل تأتي امرأة وهي يجب أن تكون لديها القدرة على مواجهة الموقف الرهيب لا سيما وأن البنت تفاجأ باسم عريسها في غفلة من الزمن وهي مهمة ليست بالشيء البسيط بل هي مهمة صعبة لا تقوم بها إلا امرأة متمرسة على مثل هذه المواقف . تدخل هذه المرأة على الفتاة دون أن يشعر بها أحد تسير على أطراف قدميها محاولة اقتناص الفرصة لتفاجئها بإعلان زواجها واسم الزوج الذي سترتبط به . عندما تنتهي من إعلان ذلك تُدثر المرأة العروس بثوب يقال له السباعية .

حينئذٍ يسمع الناس داخل المنزل وخارجه بصراخ الفتاة وبكائها لأنها في تلك اللحظة تعيش حالة رعب وخوف من المفاجأة التي تمت ومن اليوم المنتظر والمصير المجهول الذي تنتظره .. ولا يخفي الصراخ والبكاء سوى دق الطبل والدفوف بإعلان بداية الفرح العرائسي الذي يقال له ( الشرح ) .

الشرح هو الغناء بمصاحبة الطبول . ففي صباح اليوم التالي يُنصب ( الشراع ) تحت منزل العروسة أو في سطح المنزل . و(الشراع) هو عبارة عن "خيمة كبيرة من القماش" تغطى من كل الجوانب ، وتقام تحت المنزل لأداء النساء فيها الأفراح والاحتفال بالزواج أو بمعنى أصح مظلة تقام على أعمدة أمام المنزل لتتسع لجميع النساء المدعوات للحفل .. في مساء نفس الليلة يقام شرح نساء في بيت العريس . وفي مساء اليوم التالي يقوم الرجال بنصب (شراع) مماثل في بيت العريس وتقام الألعاب الشعبية التي يؤديها الرجال طوال اليوم .

تخبرنا أم علي وهي أم لخمس بنات وأربعة أولاد كلهم متزوجون :

في صباح اليوم التالي يقام شرح النساء في بيت العروسة يسمى بـ : ( تحميس وقطع ) تماثله في بيت العريس شرح نساء وفي المساء تقام سهرة الحنا (الحنه) وهي سهرة تقام في بيت العريس وهي عبارة عن ألعاب شعبية للرجال تستمر إلى آخر الليل حينئذ يقدم (الطرح) الذي يقال له "تنقيط" في بعض البلدان والانتظار حتى يأتي الرجال لأخذ العريس من ( المخدرة ) وهو مسرح شعبي فيه يتم تضميخ العريس بالحناء في (الشراع) وسط النسوة وتقوم النساء القريبات له والمحارم بـ( النعيش) وهي رقصة تتم بإدارة الرأس ونثر الشعر في الهواء فوق وأمام العريس ويرقصن النساء ويغنين فرحاً وطرباً من أهازيج الحناء المعروفة :

                  هو على الحناء

                  هو على الحناء

                  حنوا له الكلان بيحني

                  حنوا له غلب ما يحني

وبعد أن يتم الحناء للكلان (العريس) يرددن النسوة : ( يا كلان تغسل في المعيان ).

وفي صباح اليوم التالي يتم عقد القران في بيت العريس . (سندة) عند أهل العروس مساءً أي تكون العروس جالسة على سرير مستندة على المتاكي (المخدات) .

تحكي لنا الوالدة بنت علي وهي جدة لأكثر من عشرين حفيد :

على وقتنا تتم الزفة بعد السندة أي في اليوم التالي للسندة تكون الزفة وهي ( زفة العريس) إلى بيت العروسة يتم تجهيز الوليمة حيث يكون بيت العروسة مزدحماً بالنساء والرجال بعد انتهاء الوليمة في العاشرة مساءً تقريباً يستمر شرح النساء إلى الساعة الثانية عشر ليلاً حينئذ يتم نقل العريس إلى بيت العروسة بالطبل والمراويس ، ثم يتحول الشرح للنساء إلى بيت العروسة وعندما يصل العريس يستقبله أهل العروسة من الرجال فتخطر (الكوبرة) وهي المرأة التي تقوم بتزيين العروسة التي تخبر والد البنت باكتمال تجهيز العروسة وانتظار (المسحة) أي "دخول العريس على عروسته" في تلك اللحظة ينادي والد العروسة العريس وهذه العادة لا زالت موجودة إلى الآن فيدخلان معاً على العروسة بمرافقة المرأة (الكوبرة) التي تطلق الزغاريد فتتجاوب معها النسوة بإطلاق الزغاريد ويدخل العريس ليمسح بيده على رأس عروسته ويقرأ آيات قرآنية حيث يمكث عندها حوالي عشرين دقيقة وهي اللحظة الأولى التي يرى فيها عروسته ثم يمشي على الخلف مواجهاً للعروسة إذ أن العادة تقتضي أن لا يدير العريس ظهره لعروسته. يخرج العريس ووالده لينضما إلى الرجال ثم يتوجه الموكب إلى بيت العريس ويتفرق المدعوون .ومن ثم يعود العريس إلى بيت العروسة بمرافقة عدد قليل من أقاربه فيرحب أهل العروسة بالعريس الذي يسلم أهل العروسة هدية تسمى (الصبحة) .

تحكي لنا أم ناصر وهي التي عاشت هذه العادات تقول :

الصبحة : هي عبارة عن (شنطة) تملأ بالعطور وأدوات الزينة وبضع من الملابس وكل ما يلزم العروسة من أدوات الزينة وتسلم (للكوبرة) تدخل على أثره أم العروسة ويقدم العريس لها مبلغاً من المال وتسمى هذه العادة (المحاياة) كهدية للخالة ثم يدخل عند العروس ويجلسان معاً وحدهما ، في تلك الأيام لم يعرف بعد الناس الغرفة المتكاملة للعروسين ، تجلس العروسة على (طراحه) وهي فرش صغير له أربع مخدات مغطاة بألوان جميلة توضع في أحد أركان الغرفة يجلس عليه العريسان ليتعرفان على بعضهما بعد إغلاق الأبواب عليهما فترة من الزمن ثم تقرع الكوبرة حينئذٍ الباب فيستأذن العريس من العروسة ويخرج ليتوجه إلى بيت والده مع من يرافقه . وبعد لحظات يتحرك موكب العروسة إلى بيت العريس بالطبول والإيقاعات المختلفة وذلك في الساعة الثالثة أو الرابعة فجراً تصحبها النساء من البيت فيتقدم العريس حاملاً الفانوس مع جميع أفراد أسرته ليرحبوا بالعروسة وأهلها ومرافقيها وعندما تقترب من عتبة البيت يذبح كبش أو شاة فوق قدمي العروسة ثم تدخل العروسة مع بالزغاريد ويتم تقديم وجبة الفطور المكونة من أطباق العصيد للرجال والنساء . يظل بيت العريس مزدحماً حيث تقام وليمة الغداء وهي وليمة كبيرة يدعى إليها عدد كبير من المدعوين .

وقبيل آذان المغرب تخرج العروسة أمام النسوة في الشراع ويقام لها ( الشرح والزفين ) وترقص على نغمات رقصة الريض (الزفين) لتراها جميع النسوة بكامل زينتها ثم تزف إلى غرفتها .

ويتناول المدعوون وجبة العشاء من الساعة السادسة مساءً حتى العاشرة يتفرق الجميع .

بعد ثمانية أيام من الزواج ينتقل الزوج والزوجة إلى بيت أهل العروسة حيث تقام لها حفلة يقال لها (النقيلة) أي زيارة العروسة إلى بيت أهلها بعد ثمان أيام من زفافها ، للإعلان بأن العروسة أصبحت امرأة متزوجة لتقوم بكل واجبات المرأة المتزوجة في المجتمع النسوي لتخرج لزيارة الأهل والمعارف وحضور مراسيم الأفراح للأهل والأصدقاء وتمارس طقوسها كزوجة وأم مستقبلاً .

هكذا تنتهي مراسيم وأعراس الزواج بمدينة غيل باوزير في تلك الفترة السابقة من الزمن وهي ثمانية أيام فرح وسعادة قد تكون الآن في وقتنا الحاضر مملة ومتعبة لكنها كانت في ذلك الزمن عادة جميلة وأفراح وتسلية وسعادة وترويح للجميع في ظل غياب وسائل الترفيه من تلفزيون وقنوات فضائية وغيره .

ومهما كانت الأسباب تظل عاداتنا جميلة وأصيلة أصالة حضرموت للتعرف على تاريخها وتراثها وثقافاتها الشعبية وعاداتها وتقاليدها .

 



هل تؤيد فكرة انشاء الأقاليم كأحد مخرجات الحوار الوطني ؟




النتيجة