استــغاثــة ( قصة قصيرة)
6/18/2007 12:00:00 AM- موقع محافظة حضرموت/ليلى غانم

ليلى غانم

ليلة ولا كل الليالي تلك التي سكب القمر أنواره ووزع خيوطه الفضية فوق صفحة البحر التي أخذت تفترش في كل بقعة من حي البلاد الذي يحتضن منزلي المتوحد بالبحر وما تبقى من الجبل ..


نور القمر هذه الليلة ليس كنوره في الليالي الماضيات الذي كان الدافع لأنعم بجلسة عائلية فوق سطح منزلنا الذي للتو صبغناه باللون الأبيض احتفاءً بقدوم شهر رمضان ، هيأت المكان الذي سنجلسه ، فرشت حصيرة ووزعت المتاكي جوار الجدران ، وضعت التلفاز في أحد الأركان ولم أنس جهاز التسجيل وأشرطة محمد جمعة خان التي قد نحتاجها ..
فمنذ زمن طويل لم نمارس هذه العادة التي كنا نتعاطاها قبل ظهور عادات جديدة في حياتنا قيل إنها حضارية ..
فلكم تقت كثيراً إلى مثل هذه الجلسات التي افتقدناها بعد وفاة أبي الذي كان يحرص على السمر فوق سطح منزلنا ، هذه السمة التي أخذتها منه ، حاولت أن أقوم بها بضع سنين لكن الظروف المكتظة بالأشياء التافهة التي اعتقدت يوماً أنها مهمة، صرفتني عن كثير من العادات الطيبة ومنها الجلسات الليلية فوق سطح المنزل لنرى السماء ونشتم النسمات والتمتع برؤية البحر ومشاهدة المارة فوق الجادة والسيارات التي تمرق هنا وهناك ، والأضواء المتلألئة التي أخالها من بعيد كعقد ماسي يزين صدر المكلا ..
شرعت بتنفيذ مشروعي ملبياً التوق الذي أخذ يلح عليَّ منذ الصباح الباكر ، فليلة بيضاء كهذه لن تتكرر . إذاً لا بد ننعم بها ولم لا وقمر شعبان يعد أكثر الأقمار سطوعاً وبهاءً سيما وأنه سيسقط الضوء الفضي فوق البحر الذي يدفعك إلى النظر إليه طويلاً دون أن ترتوي . تجمعنا فوق السطح أنا وزوجي متقابلان ، أما الأولاد الكبار فقد انشغلوا بمسلسلهم اليومي .
الإبريق الصيني يصعد من فوهته الماء المتبخر إثر توقد النار تحته ، إبريق آخر ينتظر لكي تمتد إليه يدي التي اعتادها أن تصب الشاي في الفناجين الزجاجية الصغيرة المطعمة بالنقوش والألوان الذهبية فاتحة فوهاتها ، الملاعق الفضية نكست وسط الفناجين بدت وكأنها تحبس أنفاسها وسط حبيبات السكر الذي ينتظر الإذابة . سكبت قليلاً من قطرات الشاي الأحمر فتركزت العيون عليّ ، تناولت الإبريق الصيني المملؤ بالماء الساخن وسكبت في الفناجين واحد بعد الآخر الشاي الأحمر مالت الأجساد من فوق المتاكي وامتدت الأيادي إلى الفناجين ، الأولاد الكبار أخذوا يرتشفون شايهم ويتابعون المسلسل أما الصغار فيتقافزون هنا وهناك يشربون قليلاً من الشاي ويقلعون عنه إلى أن زدتهم أكثر من ملعقة سكر يشاركون إخوتهم في مشاهدة التلفزيون إن كان المسلسل عن الأطفال أو يطلون على الشارع ينادون أحد المارة من أقرانهم أو يتابعون السيارات التي تمر بين لحظة وأخرى . اقترب الوقت من منتصف الليل والقمر لما يزل متألقاً كان محمد جمعة قد أنهى عدداً من أغانيه التي يصدح بها في هذه اللحظة "يا الهلالي وين صباحك وممساك" ما أن تمايل زوجي مع الأغنية حتى مر موكب عرس أفسد متعتنا .
مع تناغم آخر رشفاتنا لآخر فنجان شاي رن جرس الهاتف تبادلت النظرات مع زوجي الذي قرأت على وجهه السؤال عن المتصل ؟! تجاهلت الرنات المتكررة وتجاهلت أيضاً ما انطبع على وجهه من غضب ، قفز أحد الأولاد إلى الهاتف ليرد ولكن لا مجيب .
لممنا عدة الشاي والحصيرة والمتاكي فرن جرس الهاتف ثانية تركناه لحاله وعندما لم يتوقف الرنين أخذ زوجي سماعة الهاتف فلا مجيب أيضاً فنظر زوجي فأمرني أن أرد على المتصل فقلت له : اتركه يرن حتى الصباح وصمتنا صمتاً اختزن عشرات الكلمات ..
لم لا نأتِ بالهاتف إلى هنا حتى لا نكلف أنفسنا الذهاب إليه ، فلو كان قريباً هنا لرددنا على المتصل دون عناء ؟ دعه يرن .. هذه الرنات ستزعجنا حتى في ليلة كهذه .. قلة ذوق ، قلة أدب قال ذلك وهو ينظر إليّ نظرة خلته يقصدني بها ، ماذا تقصد بقلة الأدب ؟ لا أقصد شيئاً .
اترك ليلتنا تمر دون أن تخدشها . أعرفك جيداً لا تحب الأدب لأنك لم تكتبه .
وأنتِ هل تعتقدين أنك تكتبين أدباً ؟
أفصح عما بداخلك .. لو لم أكتب أدباً لما نشروا لي !!
إنهم ينشرون لك لأنك امرأة ، هيا لننم قبل أن ينام الأولاد .

ألا توجد لنا غرفة ؟ ثم إن الأولاد حتماً هم الآن نائمون . ونام زوجي دون أن يكلف نفسه النظر إليّ مع أنني كنت أنتظره يقول شيئاً أو يتحرك ، لم تمر دقائق حتى رن جرس الهاتف رابعة وخامسة وتركته يرن إلا أن رناته لم تتوقف رغم أن "المرحِّم" قد أخذ يترنم بصوته الجميل الذي يحثك على النهوض للصلاة .التقطت سماعة الهاتف :
- هلو ..
- ألا تخجل فمنذ البارحة وأنت تتصل ؟
- إني أمك ، ما بك ؟
- ماذا ؟ .. (وساد صمت من جهتي) .. فانتبه زوجي ، من المتصل ؟
- ما الخبر يا أمي ؟
- أكلمك من المستشفى .
- أنت التي كنت تتصلين منذ البارحة .
- إنني متوعكة وأريدك أن ترافقيني .

اقترب مني زوجي فأخذت أتهيأ للذهاب إلى المستشفى فرن جرس الهاتف ، فأيقنت أن مكروهاً قد حدث لأمي ، لكن المتصل قد أفصح عن إعجابه بي وأنه كان يحاول الاتصال منذ البارحة طبقت السماعة ولم أنطق بشيء سوى : أغثنا يا رب.