* بقلم/ سالم العبد
يحكى أن أحد المهاجرين خلف البحار البعيدة رزق بولد وسيم ترعرع وشب في كنف وا...
* بقلم/ سالم العبد
يحكى أن أحد المهاجرين خلف البحار البعيدة رزق بولد وسيم ترعرع وشب في كنف والده الرزين الحازم ولكنه لم يأخذ من خلال أبيه أياً منها , وتحول إلى أرعن ومتهور كبير وطال أذاه سكان حيّهم والأحياء المجاورة حتى جأروا بالشكوى للحارة , مناشدين أبيه أن يكف أذاه وإزعاجه لهم وكان الأب قد ضاق ذرعاً بنزق و انفلات ابنه وعدم انصياعه لنصائحه و زواجره فقرر بعد استشارة أقرب أصدقائه أن يبعث به إلى بلدتهم حيث ستعلمه الحياة كيف يثوب إلى رشده .
صادف ذات يوم مشمس صافي بعد وصوله إلى بلدته عودة قنّاصة الوعول من الجبال يتقدمهم الرماة المهرة يحملون رؤوس الوعول من أبو حامل ثمانين , وكان الأهالي في استقبالهم وفي الصفوف الأولى تصدر الموكب ضاربوا الهواجر و المراويس يرددون أهازيج الفروسية للمناسبة السنوية , حين اقترب القناصون أنبري من بين الأهالي رجل أربعيني نحيل ذو سحنة تبغية مميزة , تشير قسماتها الحادة بجرأة وافرة تخالطها سخرية لاذعة .. قفز متصدراً الموكب وأخذ يرتب صفوفهم المعوجة والمبعثرة موزعاً أوامره القاطعة هنا وهناك بجمل مقتضبة حاسمة .. و عند التحام القنّاصة والمستقبلين ليشكلوا كرنفالاً موحداً يتحول مساره صوب القصر المدور في مركز البلدة. كانت زعامة الرجل ذو السحنة التبغية قد ترسخت بتأثير نبرته الثابتة ونفاذ عينيه المزرورتين . في تلك الأثناء سأل الشاب القادم من المهجر رجلاً عجوزاً يسير قريباً منه , هل الرجل الذي يقود الموكب الضخم هو الزعيم لهذه البلدة ؟
ألقى العجوز إليه بنظرة جانبية هازئة وهرول ملتحقاً بالآخرين بدون أن ينبس انتابته لحظة ذهول وحيرة ، و لكنه ما لبث أن تجاوزها مندغماً مع صخب الكرنفال المرح حتى بلغوا القصر المدور , الرابض على تلة صغيرة تحتل قلب البلدة , شامخاً مهيباً اشتد حماس الطبالين أثناء احتشاد الموكب في الساحة الواسعة التي تشكل فناء القصر المهيب .. وتعالت في الجو الساخن الحناجر المبحوحة تردد بقوة أراجيز الفخر والبسالة و الفروسية .. جال الشاب بعينيه وسط الجموع الهادرة بحثاً عن الرجل الذي يقود الجموع ,رآه وسط دائرة الرقص يتمايل بجسده النحيل وخنجر صقيل يلمع في كفه اليمنى يناور به الفضاء الساخن بحرافة وخفة تأخذ الألباب وفي ذروة الانبهار الذي سمر أنظار الجموع المتابعة لأدائه الراقص المذهل هبط فجأة على ركبته اليمنى منهياً بتلك الحركة الرشيقة فصل الاستقبال الراقص .
ران سكون كثيف مسيطر , حتى صدح خلاله نفس الصوت الآمر القاطع فلتوزع اللحوم حسب العوائد وليأخذ فرساننا الأشاوس قسطاً من الراحة حيث تنتظرهم أسرهم الكريمة. توزع بعض الشباب وشرعوا في شحذ خناجرهم تنفيذاً لتعليمات الرجل التبغي سيد الموقف. انتهز الشاب فرصة اللغط الذي رافق تبعثر الجمع واستوقف شاباً توسم في وجهه من النباهة والفطنة , سأله مباشرة هل الرجل الذي يوجه الأوامر هو المالك للقصر المهيب الذي نقف داخل فنائه الواسع ؟ زجره بنظرة قاسية مستنكرة اضطرته للإطراق برأسه والابتعاد عنه فيما ازدادت حيرته استعاراً وضجّ رأسه بمطارق ثقيلة تعزف لحناً غامضاً يلفّ الناس والأشياء من حوله بسربال مقيت , مستفز. انتبذ بنفسه جانباً وبعد تفكير ملئ قرر أن يفاتح قريبه المسن القاطن في القرية المجاورة عله يجلي جزءاً من الغموض الشديد الذي يكتنف شخصية الرجل الأربعيني ذي السحنة التبغية ولماذا يواجه بكل ذلك العداء الصامت من قبل الأهالي كلما سألهم عن صفته وموقفه في بلدتهم ؟
جلس القرفصاء في حضرة قريبه المسن المبجل منكّساً رأسه بتأدب وخضوع متملئاً بحضوره الكثيف وهيئته المتجلية عن طبيعته الأصيلة المحبة للعلم والورع.
انتظر في صمت جليل حتى رفع الرجل المسن أنظاره الكليلة من جهد القراءة والمطالعة الدءوبة وسأل الشباب القادم من المهجر بتطلف ... هاه ... كيف تسير أمورك هنا ؟ ردّ الشاب المطرق بنبرة خافتة لم يتمكن من خلالها إخفاء التبرم الثاوي في أعماقه .. لا بأس .. وصمت مطرقاً .. عاوده الشيخ الجليل بسؤال مباشر .. هل ثمة ما يضايقك ؟ تكلم فأنا مصغ إليك ..
أحس بإرادته المتمردة تنتعش وبسحر قريبه المسن يبث الثقة العميقة التي تشع من قسماته الوضيئة في دواخله المقلقة فاستطرد في رواية الأحداث التي عايشها أخيراً والحيرة الشديدة التي فجرها في داخله الرجل الأربعيني ذو السحنة التبغية. أخذ الشيخ الجليل يتابعه بعمق وبسمة هادئة تظلل وجهه العجوز ، زادته مهابة وعذوبة وبعد برهة من الصمت المتأمل خاطبه الشيخ بتمهل وأناة .. إن فراستي كانت في محلها منذ أن رأيتك لأول مرة لحظة قدومك من المهجر توسمت فيك شيئاً مختلفاً لا يمتلكه أبناء البلدة لم يسبق أن جاءني أحد منهم متذمرا من الزعامة المزيفة لذلك الدعي الغريب منذ عقد ونصف... أقصى ما استطاعوه حتى الآن مجرد اصطناع الغضب إن صادف و ذكره أحد بصوت جهير وكأنه لا يجثم على صدورهم كل هذه السنين وأحياناً حتى هذا الانزعاج لا يجرؤون على إظهاره خوفاً من أن يطلع عليه عبر بعض ال ..... ؟
شعر الشاب بنوع من الغبطة لهذا الإطراء المتمازج بالثقة التي يخصها به الشيخ الجليل وأحس بأن كلامه يعد بمثابة الإنصاف من الظلم الذي لحقه قبيل قدومه .. ابتسم بمودة في وجه العجوز المكلل بالهيبة .. ابتسم بمودة في وجه الشيخ الحكيم فيما كانت عيناه تستحثانه ليكمل ، واصل العجوز كلامه .. لن تصدق بأن الرجل الذي تعنيه لا يمثل أي صفة زعامية ليس في بلدتكم ولكن في أي شبر من هذه المعمورة أتعرف ما هي مهنته الحقيقة ؟ دلال نعم دلال ؟ حتى اسمه أو لقبه الذي التهم اسمه الذي لا نعرفه وصار الطاغي برغم غرابته هو " المدغبر " ويكفي هذا عن الرجل, استمع إليّ الآن جيداً لأن الأمر متعلق بك وبدون مقدمات هل تقبل بأن تتولى أنت زعامة البلدة وتضع حداً لهذه الغربة الطويلة ؟ أعدك أن نقف إلى جانبك إذا ثبتت لدينا إرادتك الماضية للقيام بهذه المهمة الخطيرة للتصدي لهذا الدلال الدعي وإعادته إلى وضعه الطبيعي لست ملزماً بالرد في هذه اللحظة .. اذهب وفكر في الأمر ملياً أما أنا فسأتولى أمر التشاور مع وجاهات وعلماء البلدة هنا وفي المهجر بما فيهم والدك ومن معه .. اذهب الآن وعد عندما تتيقن من إرادتك .
خرج الشاب مأخوذاً بأفكار وكلمات الشيخ الجليل الواضحة والقاطعة .