المرحلة الرمزية الثانية
وهي المرحلة التي حمل الرمز فيها دلالات سياسية ارتبطت بشكل مباشر بإرهاصات الواقع السياسي والاجتماعي حينئذ وإن استخدم في بداي...
المرحلة الرمزية الثانية
وهي المرحلة التي حمل الرمز فيها دلالات سياسية ارتبطت بشكل مباشر بإرهاصات الواقع السياسي والاجتماعي حينئذ وإن استخدم في بدايتها نفس القاموس الشعري والحقول الرمزية والصور الدالة ولكن بصورة جديدة وإيحاءات أخرى تعطي دلالات سياسية كما نرى لا يتعداها من عاش تلك الفترة التي تلت الاستقلال الوطني ففي قصيدته ( يا نوب خل عينك ) يقول:
لي يدبسون العسل ما يطعمون العسل **ماشي معاهم سوى وخز الإبر والذنوب
يانوب خل عينك **على الجبح يانوب
هذه التعابير الرمزية الأولى العسل !النوب!الجبح!! هي من تعابير المرحلة الأولى ولكنها هنا حملت أبعادا جديدة محملة برمزية سياسية لا يمكن إلا أن تكون رؤية جديدة لأوضاع حياتية معيشة كان للمحضار فيها قراءة عميقة سبرت أغوار ذلك الواقع الاجتماعي والسياسي الجديد وتوارى هو خلف الرمز ليقدم رؤيته للمستقبل في كثير من المرات من عيون الحاضر بل إنه في كثير من قصائده الرمزية في هذه المرحلة كان محذرا وناصحا لمن يقرأ ما وراء الكلمات والصور و التعابير وان غلف ذلك بشاعرية مرهفة وقصائد شعرية حملت السياسة بلغة العاطفة إلا أن ذلك يظهر جليا بين ثنايا هذه النصوص .
ومن ذلك أيضا قصيدته ( لي ما كواه فوق البخص) التي أراد المحضار لفت الانتباه إلى ضرورة المراجعة والحرص على ما تحقق من مكاسب لتخفيف معاناة الناس إذ يقول فيها:
بشيش عا ام اللبن و منيحة الأطفال ** تحملت شيء فوق طاقتها من الأحمال
بركت وعزوها الرجال ** ومكانها تضلع تداركها بكية من مكاويك
لي ما كواه فوق البخص ** بلاش كيه مايؤثر فيك
وعندما أراد النصح والإرشاد بعد دورة من دورات الصراع المتعاقبة هادفا إلى إصلاح ذات البين ولملمة الجراح لكي لا يستمر الجرح نازفا ويزداد اتساعا قال:
يا حصن مول البناقل محلى ركونك ** خيفان بعد الزوامل ينعق عليك الغراب
الحب فيه المزلة والعفو عين الصواب
ويذهب لتأكيد القادم مستشفا إياه من الحاضر وما يعتمل فيه:
لي خربوا دار بصعر بايخربونك ** خذ عشر خذ خمس تعشر لابد لك من خراب
الحب فيه المزلة والعفو عند الصواب
وهنا نلمح أن المحضار قد استفاد من هذه التقنية في مرحلتين كل منهما حملت دلالات تتباين عن الأخرى وان كانت توحي كل منهما الأخرى وفي ذلك يشير الدكتور محمد أبو بكر حميد بقوله : (فقد كان شعره الرمزي في ظاهره يحمل معان إنسانية يفهمها الإنسان في كل مكان ويتفاعل معها حسب ما يوحي بها ظاهرها ويفهمها أبناء مجتمعه وفق ما يوحي باطنها فيتنفسون الصعداء بترديدها والغناء بها ويشعرون أن المحضار يعبر عما تجيش به نفوسهم ويجول في ضمائرهم وقد استطاع المحضار أن ينطق ويغني باسمهم جميعا في قصائد كثيرة) فالمعاني الإنسانية التي يخفى وراءها المحضار في رمزه السياسي يدركها ويفهمها أبناء مجتمعه ذلك انه يعون الواقع الحياتي والاجتماعي والسياسي المعاصر فَهِمَ شعبا جُبِل على تراث مرموز ، وجاء المحضار مترجما حقيقيا بصدق مشاعر ذلك المجتمع وما يحدث فيه من تقلبات وصراعات مكررة نجده يشير إلى ذلك بقصيدته (كلما صفت غيمت) :
كلما صفت غيمت يا غيث قبل ** هذه سحب ما نباها شي تطول
من اجل باشوف خلي حيث ما سار**لما متى في الغداري ما نشوف النهار
فلكي يواري المحضار الغرض الأساسي من قصيدته ذات الأبعاد السياسية يلبسها ثوب العاطفة والشوق ( من أجل باشوف خلي حيث ما سار) لكن ( لما متى في الغداري ما نشوف النهار) تدفع بك إلى دارك ما وراء الكلام والمعنى الظاهري فلربما الغداري شدة الظلمة تكون سبيلا آمنا لرؤية الخليل أكثر من وضح النهار وهنا يفترق الهدف من رمزه مع ما جاء من صورة عاطفية مداراة للرمز المقصود.
ولقد كان المحضار حريصا على استخدام هذا النوع من الرمز في مراحل حياته المتأخرة ليستطيع مواكبة واقعه من ناحية ولكي يفتح أمام شاعريته الفذة آفاقا غير محدودة من المواضيع التي تضيق بها أغراض الغزل والعاطفة التي سيطرت على إنتاجه الشعري في مراحله الأولى .
ونجد أن المحضار إلى جانب تجديده في مواضيعه وأغراضه الشعرية قد غير في استخداماته الرمزية مواكبا تعقيدات الواقع السياسي وتقلباته فلم تعد الرموز (العنب ، العسل ،الجبح)وغير ذلك قادرة على الانطلاق بمظانه ومضامينه الشعرية فكان لابد من بعد جديد في المعنى والصور الجمالية الفنية ، ففي قصيدته (قايس وعادك في النفس)يقول:
جبت السفينة في ثمان**ورسيت عابر الأمان
وتحمد الله عالسلامة**وان شي مخبى بايبان
لك في القوائم والمنافيس
قايس وعادك في النفس ماشي في الغبة مقاييس
ثم تابع في نفس القصيدة مؤشرا:
سافرت وشراعك ملان**ومعاك بحرية زيان
كلين واقف عند زامه**إن راهنو كسبوا الرهان
وان تارسوا حكموا المتاريس
قايس وعادك في النفس ماسي في الغبة مقاييس
فهو بعد أن يؤكد حقائق الوضع ، فالسفينة راسية على بر الأمان وكل ما فيها سيظهر فالسفينة الرمز للثورة ربما، والبحرية الزيان: هم من حققها ولكنه بشفافية الشاعر لا يقف عند تثبيت الواقع وقراءاته وإنما يحذر من القادم وهو الأهم إذ يقول في نهاية هذا النص الشعري الثري :
بالبحر محد يستهان ** مايستهان إلا الجبان
لي ما يحسب الملامة**يفحس يساره عا اليمان
ولعاد تنفعه التناهيس
قايس وعادك في النفس ماشي في الغبة مقاييس
وهنا نجد المحضار قد اتجه إلى عوالم البحر وحقوله الدلالية لما له ولها من دلالات عميقة فالبحر عالم من الاضطراب والهدوء اللامتناهي والمدى البعيد والخير الوفير وغير ذلك من المعاني التي يحوي بها فالبحر (الثورة ، الحياة ،الموت ،الخطر، القادم ، المجهول، الآفاق البعيدة ) وغير ذلك .
ومن ذلك العديد من النصوص الشعرية الدالة على ما ذهب إليه شاعرنا المبدع ومنها قصيدته ( منذ ربع قرن ) التي وضف فيها الحقول الدلالية والمصطلحات البحرية بشكل مكثف وغيرها كثير.
لذا نستطيع القول أن المحضار في كل قصائده التي حملت الهم الاجتماعي والقلق السياسي والتوتر الجمعي الإنساني كانت تذهب بنا إلى آفاق بعيدة وتأخذها وكل فئات المجتمع إليها فنتراسل معها فهي لغة مرموزة ولكنها غير مغلقة على نفسها ولا تحمل الأحاجي أو الطلاسم العبثية التي يندفع إليها كثير من الشعراء ولقد حاول المحضار وهو بيننا أن يوخز الضمائر خاصة أصحاب القرار لكي يتعظوا من دورات الصراع التي ذهبت بالأخضر واليابس في زمن كانت الأرض ومن عليها في حاجة إلى رؤية صائبة ترى الضوء في نهاية النفق قبل الولوج فيه ويكفينا نحن اليوم في ذكرى رحيله السادسة أن نذهب مثله إلى الإشارة والتلميح في هذا المبحث فهو مازال وسيظل محضارا وإن غاب الجميع في حضورهم .