(أسواق الأضاحي.. أسعار تزداد اشتعالا).. انطباع أخير تخرج به وأنت تستعد لمغادرة أسواق المواشي التي تحولت هذه الأيام إلى مزارات للفرجة، بعد أن عكرت (ال...
(أسواق الأضاحي.. أسعار تزداد اشتعالا).. انطباع أخير تخرج به وأنت تستعد لمغادرة أسواق المواشي التي تحولت هذه الأيام إلى مزارات للفرجة، بعد أن عكرت (الأسعار) فرحة العيد.
اجواء مكهربة وأعصاب مشدودة، وصفقات معظمها تفشل في اللحظة الأخيرة، وفي وسط هذا التوهان والضبابية يظهر أبطال المشهد، إنهم (المصلحون والمثمنون.. يتقدمهم عاقل السوق) فهؤلاء أطراف هامة لإنجاح معظم صفقات البيع.
ليظل مشوار البحث عن (خروف العيد) طريقا محفوفا بالأشواك ومفخخا بجشع وطمع الباعة وجنون الاسعار التي لم تجد قانونا يلجمها أو يفرمل شهية البائعين!
زحمة يادنيا!
أسواق المواشي اليوم ليست هي نفسها أسواق الأمس، إنها أماكن تعج بالحركة وتضيق بالزحمة ، يختلط فيها كل شيء بكل شيء، الحيوان بالإنسان والمال بالآمال و.. وينعدم موطيء قدم يتحرك فيه المرء على أمل أن يصل إلى نهاية سعيدة في مشواره للبحث عن (أضحية)!
إن نصف ساعة في أسواق المواشي هذه الأيام كفيلة بأن تخرجك بحصيلة كبيرة من المشاهدات الغريبة والطريفة والمحزنة في نفس الوقت، معظمها تدور بجانب المواشي وبين أقدامها خوفا من العيون وتحاشيا لأي (فضول) من شأنه أن يعكر مجريات الصفقة!
مباحثات مطولة ومعقدة ، بعضها علنية، وهناك ما يتم اجراؤها بصورة مغلقة ، تتم بين طرفين، الباعة (الطرف الأقوى) والمشترون (الطرف الأضعف دوما) وتحت اشراف الوسطاء المصلحين الذين نصبوا أنفسهم لهذه المهمة مقابل نسبة بعد نجاح كل عملية بيع.
لمسنا مباحثات وحوارات تصل إلى طريق مسدود دون تحقيق أي نتائج ، وفجأة نلاحظ صمت المكان يتحول إلى عاصفة من الأصوات والركض هنا وهناك، تشم بعدها رائحة خصام وشجار آتية في الطريق مبددة مناخ المجاملات والود الذي خيم لفترة وجيزة على الحوار.
جزء من هذه الاختلافات ينتهي عند هذا الحد، وجزء منها لايتوقف عند ذلك، فتحصل مشادات كلامية، يتطور بعضها إلى التلويح بـ(الصميل) الذي لايفارق الباعة أو عاقل السوق أو المصلح والمثمن.
وهي كما قال لنا البعض - (عصاتنا نتوكأ عليها ونهش بها على غنمنا وبها مآرب أخرى) كالتخويف والدفاع عن النفس عند الحاجة.
حرائق الأسعار!
(ارتفاع الاسعار) شعار لم يرفعه المشترون والمترددون على أسواق بيع الأضاحي فقط، بل إنك تكاد تحصل على إجماع من الجميع باعة ومصلحين ومثمنين وعقال أسواق يعترفون بوجود اسعار مرتفعة، مبررين ذلك بالإقبال الكبير على الأضاحي هذا العام وقلة ماهو معروض ولعل هذا هو ماكان الشغل الشاغل للبائعين والمشترين على حد سواء، رغم تدخل المصلحين والمثمنين بين الطرفين.
حيث هناك في كل سوق لبيع الماشية يوجد مايسمى بعاقل السوق يؤدي العديد من المهام ، فإلى جانب قيامه بحل المشكلات والنزاعات التي قد تحدث بين أصحاب المواشي والزبائن، يقوم أيضا بمهمة الصلح والتوفيق بين الجانبين وذلك إذا ماوصل الطرفان إلى طريق مسدود.
كما أن حكمه مقبول ويجد احتراما لدى الطرفين.
اسعار الاضاحي هذا العام، أزعجت ايضا (الوسطاء والمصلحين) ففي هذه الاجواء المشتعلة ازدادت مهمتهم تعقيدا أكثر فأكثر وقلت حظوظهم من نسبة الصفقة.
حيث تتحدد مهمتهم في تضييق الهوة الواسعة وتقريب وجهات النظر بين الباعة والزبائن، والقيام بتهدئة النفوس إذا ماحدث أي خلاف بين الطرفين.
فمعظم حالات البيع والصفقات التي تصل قيمتها مابين (150-190) الف ريال لايكتب لها النجاح إلا بعد تدخل الوسطاء والمصلحين الذين يبذلون جهودا كبيرة في ذلك ، ووجدوا أساسا في أسواق المواشي لهذا الهدف والمهمة!
حتى المصلحون منزعجون!
> ليس كل شخص منا بإمكانه أن يكون (مصلحا) في سوق المواشي ، فهذه مهنة لها شروطها ومواصفاتها ، فالخبرة وإصدار الاحكام الدقيقة والقدرة على الإقناع شروط لابد توفرها في شاغل هذه المهنة التي لا تنشط سوى قبيل عيد الأضحى المبارك لتظل متوقفة وجامدة طوال أيام السنة.
يقول عبدالله احمد «مصلح» لقد أخذت هذه المهنة عن والدي وأمارسها منذ عمر مبكر، لتتحول إلى أحد مصادر عيشي رغم أن عائدها ليس بالشيء الكثير، إلا أنني أجد نفسي أقدم شيئا خيراً يفيد الجميع !
فهذه مهنة تكثر ممارستها قبيل عيد الاضحى، حيث تمتليء الأسواق بالمواشي والناس الباحثين عن الأضاحي.
أما مهمة «المصلح» فتتمثل في تقدير ثمن الماشية وذلك بشكل يرضي البائع والمشتري وفي الغالب يكون الحكم مقبولاً عند الطرفين.
ويضيف عبدالله: ان القيمة التي يقدرها المصلح بسعر نهائي للماشية عادة لا تصدر اعتباطا أو بصورة عشوائية، بل إنها مبنية على خبرة المصلح ومعرفته بحجم الحيوان وقيمته، بل قد يصل الأمر بالمصلح ان يستطيع معرفة وزن هذه الماشية من تلك.
كما ان من مهام المصلح ايضا التأكد من وجهة الأبقار والمواشي التي تدخل السوق، خوفاً من أن تكون مسروقة او نحوه، من خلال أخذ البطاقة الشخصية من كل بائع يقدم الى هذا السوق.
مصدر المواشي!
وسط هذه الضبابية والأجواء المشحونة، والأسعار المجنونة، جاز لنا ان نتساءل عن مصدر هذه المواشي التي تفد الى أسواق العاصمة وعن ذلك يقول خالد محمد الحبابي، عملي الأساسي يتمثل في جلب المواشي الى سوق نقم، فمعظم الحيوانات الموجودة الآن في الأسواق هي في الاصل يتم استقدامها من خارج صنعاء من محافظة الحديدة وتحديدا من مناطق المراوعة وباجل وبيت الفقيه والجراحي وزبيد، إضافة الى أنه يتم جلب هذه المواشي من محافظة صعدة، وذلك بنسبة قليلة، مقارنة بما يتم استقدامه من محافظة الحديدة التي تتمتع بثروة حيوانية مهمة.
احتجاج واسع!
كثرت الشكاوى وارتفعت أصوات المتذمرين وبدا السخط بوضوح على وجوه الزبائن والباحثين عن «خروف العيد» يقول الحاج ناجي مهدي المؤيد الذي غادر سوق نقم خالي اليدين: شيء غير معقول وأسعار لا يصدقها العقل ، بصراحة تحولت أسواق الماشية هذه الأيام إلى أماكن احتكار واستغلال دون وجود أي ضوابط أو قوانين تنظم فوضى أسعار الماشية إنه شيء لا يرضي الله ولا رسوله.
فنحن لسنا ضد رفع أسعار الماشية بحكم المناسبة الدينية والاقبال الكبير ولكن رفعا منطقيا وبصورة معقولة ومرضية لا أن تتحول المسألة الى استغلال للمواطن وتنظيف جيبه بالماء والصابون!!
أما هائل عبدالمؤمن فقد صرخ في وجوهنا قائلا: لاداعي لكثرة الكلام أو الشكوى ، فالشكوى لغير الله مذلة، فالظاهرة تزداد من عام لآخر دون حل أو جهة تنظم الموضوع وتحمي المواطن من الاستغلال، بصراحة تجار المواشي هذه الأيام جن جنونهم وأعلنوا جشعهم، ويضيف:
العام الماضي شكونا ارتفاع أسعار المواشي قبل عيد الأضحى واليوم نواجه نفس المشكلة والمأزق خاصة أسعار العجول والماعز، فهناك أسعار لم نتوقعها وهذا لا ينطبق على الماشية المحلية فقط، بل إن جنون الأسعار امتد أيضا الى تلك الماشية المستوردة من الصومال واثيوبيا وغيرها، فلماذا هذه المبالغة بالأسعار؟.