* بقلم/ سالم العبد
التفت مباغتاً وأنا أرى هيفاء ملتفة بعباءة أنيقة، يكاد جسدها الممشوق يتمرد عليه...
* بقلم/ سالم العبد
التفت مباغتاً وأنا أرى هيفاء ملتفة بعباءة أنيقة، يكاد جسدها الممشوق يتمرد عليها متحدياً العيون المحتقنة بجوع بدائي .. جمدت منقلاً دهشتي النحرساء بين النحامر ، الغارق داخل حبات الفوفل في بسطته العتيدة والهيفاء النارية ..
أفقت من ذهولي على صوت النحامر التينوري الساخر .. هاه ؟! واه رأيك في الموتر ...؟ ماهو أحسن من القربوع حقك؟.. استجمعت فلول إرادتي وانفعالاتي المبعثرة تحت خطوات الهيفاء المتمايسة بجرأة متحدية .. متمردة من ذوات الطائع النارية قلت في نفسي .. أضحت المسافة بيني وبينها بضعة أمتار.. انسحقت من إعصار الفتنة المتشنية ... أووه .. تبلمت واه ..؟
أرسلتها من تحت ضمارها، قبل أن تخطاني باتجاه البسطة العتيدة!! وقفت بلا مبالاة محترفة .. تدفقت الدماء حارة الى راسي ... هل تعرفني ؟ أم هي مناورة جرئية ؟.. اقتلعني الإعصار وقذفت مره أخرى أمام بسطة النخامر !! رمتني بأنظار زائغة وعاد دون أن ينبتس ، داسّاً رأسه داخل خانات البسطة بادي الاضطراب ... سلمها كيسين من الفوفل بنوع من الابتهال الذاهل .... التفتت نحوي بحركة رشيقة وسألتني بثقة هاه با تتحرك و الا عادك كنت أقف كالعمود ... ولكني رددت بلهوجة ... تفضيلي .. تحت أمرك .. مندفعاً ناحية السيارة وبداخلي جدقة عفاريت ترقص بجنون ...
انطلقت متحملاً بالسيارة ... وبعد أن ضغطت زر التكييف ، تداخل اريج العطر النسائي مكثفاً الحضور الأنثوي الماحق ... امتلأ بها المقعد المجاور .. انزلقت أنظاري لتلامس خلسة استدارة فخذها الطويل المتناسق ... نفخت خمارها بلهجة مغايرة !!! انتبه أمامك ... أحسست بقربها الناري ينث يقيناً مخاتلاً بأن ثمة شيء مألوف في هذه الأنثى الجرئية .. هل عرفتها من قبل ؟ ولكن أين ومتى؟
رحت أعاود النظر إلى وجهها علني امسك بملمح يؤكد ذلك اليقين المنحاتل .... هزتني بحدسها الثاقب ... تريد رؤية وجهي ...؟ تلكأت متلعثماً، فيما عيناي تمسحان حوضها وفخذيها المرسومتين بجلاء مدمر!! واصلت بهدوء ووثق ... أم انك ستتعرف علي من أسفل ..؟!
تشبثت بصمتي الرخو مغالباً جموحها المهاجم ، البحرئ ... مرت لحظة مشحونة ... و.. أمسكت بطريقة خمارها ، وكشفت عن صفحة وجهها العيقل .. فلتت مني صرخة مخنوقة .. يا الله ... ناهية ؟ ناهية من ؟!..
تمة السخرية والجرأة الجامحة ... وإذا ... إن لم تكن ناهية فمن تكون ؟ كل شيء فيها يقول أنها هي ... قوامها المفرد صفحة وجهها البيضاوي بقسمائة المتحفزة ، بحة صوتها الشبقة .. طفح شعورٌ عميق بالحنين من أعماقي السحيقة ... السكن الداخلي في كلية التربية اوسط السبعينات !! القاعات الساحات الماحلة الفقيرة !!! ولكن بنكمة واربح يتضوعان بشذى مسكر يمسح قبح المشهد الفقير !! ... كلها تجسمت مع زمنها المراوغ بجمال خرافي ... لا أدري لماذا تتخفى على شخصيتها ؟!...
انطلقت مسرعاً باتجاه فوه ... الى أين تمضي بنا ؟ هتفت بقلق مفتعل ... قلت بهدوء سأترك السيارة تقودنا ... إن لم يكن لديك ممانعة... رشقتني بنظرة جانبية مدمرة ... وردت بغنج ... أبدا ... أبدا ثم بنعومة مغوية .. لكن شريطة أن تفصح عما يدور في رأسك !! أذهلني حدسها الثاقب ، بالقدر الذي حفزني لتفجير السؤال المحير في وجهها .. أريدك .. أن تسمحي لي أن أتحقق من شخصك الكريم ... هل ؟ .. اربح وسطها النخيل بضحكة قصيرة وهي تميل نحوي ... قالت ... طيب ... إذا لبيت شرطي الأهم !! لا تتوقف .. لا تقاطعني . أن نعود بسرعة .. اقصد بعد أن التقرير الذي جلستها .. مسحت الشارع الممتد بأفق سرابي .. وبغتة امتدت يداها الناعمتان بحركة رشيقة . وألقت بخمارها العجيب إلى الخلف ، محررة وجهها البيضاوي مرافقة ذقنها القصيرة المدببة بفتنة قاتلة .. أحسست بدوال خفيف أعقبته نشوة غامرة مصحوبة بشعور هادئ فيما اعتبرته انتصار لذاكرتي المسافرة .. ووجدتني اردد اسمها بنفس ابتهالي عميق ، وهمست مبهوراً .. يا ربي .. ماذا فعلت بالزمن أيتها الساحرة؟.. لأول مرة في حياتي العامرة اشهد هزيمة منكرة تحيق بالزمن !! .. رفعت كفها الرخصة معترضة وفق النهماري .. ها أنت تخرق الشروط قبل أن ابدأ حتى !! .. آسف قلتها بأنفاس مبهورة وصمت – بدت عيناها سابحتان على اتساعها وراء الأفق المفتوح قبل أن ينفرج ثغرها المدور الدقيق، متدفقاً.
ستذكرني أيام الدراسة .. أيام الجامعة بكل ما تحمله من تداعيات مثيرة للشجن واللوعة .. غرامة الشباب وطفراته المجنونة .. وأنني كنت ملكة جمال كلية التربية المتوجة حتى من زميلاتي الإناث اللاتي يدارين غيرتهن بابتسامات صفراء .. وأنني كما يبالغ بعضهم قد دوخت رؤوس الجميع بمن فيهم اكبر رأس في الكلية وطبعاً لن تنسى الإشارة بجرأتي التي أطلقتم عليها تمرداً تورياً واعياً على العادات والتقاليد المكبلة لحرية المرأة ، وأنها تمزيق لقيود التخلف المعيقة لطاقات المرأة الهائلة .. كل ذلك لأنني خلعت العباءة ومزقت الحجاب ... بل أنني تقحمت فضاء المحظورات الصعبة بانتقائي الملابس المستنفرة لذكورتكم المورثة مثل البراكية النشطة ، بعكس كل الأشياء الجميلة التي سرعان ما تخمد في دواخلكم ... ستذكر بنطلونات الشارلستون التي تحاكي عناقاًَ مضطرماً في خيالكم الملتهب مع جسدي "النحيزلاني" كما وصفني طالب من الشحر لعله " قيطون" لا اذكر بالدقة .. سوى انه يتكرر في تقاريركم بهذا المنطق !! وستقول مثلهم كيف خطفت بلوزاتي الضيقة عقولكم المنذورة للعلم والمعرفة لتغرقها في ألوان من الأطياف تنز شبقاً وهي تلتهم نهودي المشروعة ملئ الفضاء المفتوح ، بصلابة وفتنة الأنوثة المغوية .. ثم تتوصل إلى محطة الإبهار الأكبر ، لتثبيت لي بأسلوب غزل مسطح وفقير بأنني أنا الأسطورة في أذهانكم .. ناهية .. !!؟ أنت معذور طبعاً لأنك لا تملك إلا أن تكون واحداً منهم مهما بلغت !!.. سكتت لبرهة .. نظرت في عيوني مباشرة ثم تساءلت .. لعلك لن تصدقني إذا قلت لك بأني صرت أرثي لهذه الناهية .. مسكينة !! شهدت بعمق .. ثم هل أكمل ؟. ودون أن تلتفت نحوي استرخت وعيناها معلقتان في الفضاء .. في السنة الأخيرة طبقت شهرتي الآفاق .. آفاق عدن وغيرها.. ورفت أنوثتي كالسيرانات التي تسحر اعتى الملاحي ... تحتشد بي سواحل أبين والغدير و صيره مغوية مرتاديها من الألوان والأطياف ، وتشب في دواخلهم النشوات القصيرة التي يختلسونها في مجموعات صغيرة متناثرة !!
كنت أرابط داخل خطوط صمتي التي حشرتني فيها بسلاسة مذهلة ... فيما استمرت في إلقاء تقريرها كما أسمته...
ثم أوصلتموني في سنتي الدراسة الأخيرة إلى دهاليز وعوالم المتنفذين المغلفة بالألغاز والسحر والرهبة ..و.. وقلتم بان كل الحواجز والمتاريس المحكمة تهاوت أمام سطوة فتنتي الكاسحة ... طبعاً حصلت بعدها على فلل في أرقى أحياء المدينة ... خور مكسر .. المعلا .. صيره ... الشيخ حتى المنصورة ومدينة الشعب والبريقة..أه .. نعم سوغتم الأمر بأنها لاستقبال المتنفذين الذين يموهون شخصياتهم كالمهرجين لحظة انسلالهم إلى وكر من هذه الأوكار كما أطلق عليها ذلك الطالب ذي المنقار الحديدي "؟ " قيطون " !! .. بل إن خيالكم المنفلت قرر أن يضيف حديثاً نوعياً عندما زوجتموني مسخاً رخواً بترتيب من هؤلاء النافذين ليمثل الواجهة الشرعية ...!!؟ أوقفتها عن تدفقها مرارة ناضحة .. ثم ما لبثت أن أطلقت صرخة فزع وهي تركز أنظارها اللامعة على ساعتها .. ... أوه .. لقد تأخرت كثيراً .. أرجوك عد بنا سريعاً .. كان صوتها مسترجياً ، لا يقاوم ، و فامتثلت دون تعليق ، مأسوراً لانبهاري واستلابي بكل أملاءاته المتضاربة ..
حين بلغنا الشارع المجاور لمنزلها في حي باعبود .. وقبل أن تخرج استعادت هيئاتها العادية .. وودعتني بنبرة مشروخة هازئة ... و الآن لي طلب عندك .. أو قل رجاء حار .. أن تصدقني بأني لست ناهية التي في أذهانكم .. مع السلامة.
* عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين وعضو نقابة الصحفيين اليمنيين