في محن الكوارث غالباً ما تتحمل المرأة العبء الأكبر في المعاناة وينالها القسط الوافر من شظايا تبعات الكارثة ويعود ذلك لضعفها، سواء في تكوينها الجسدي وعدم قدرتها على المقاومة والصمود لفترات طويلة، أو لرقتها المرتبطة بكونها أنثى. ولذا تحتاج المرأة والطفل دون غيرهم لعناية في غاية الدقةًِ واهتمام من نوع خاص لعله ينزع شيئا من لهيب النار المتّقِدَةِ في صدور أولئك النسوة ممن تغلل الجرح إلى أعماق قلوبهن، إذ غالبا ما تترك الكوارث جروحا غائرة في نفس المرأة قد لا تندمل لسنين طويلة.
ونتناول في هذا التحقيق ما حل بمديرية ساه في محافظة حضرموت أثناء كارثة الأمطار والسيول التي غمرت المنطقة نهاية أكتوبر من عام 2008م، والتي خلفت دمارا هائلا في الممتلكات وحصدت الكثير من الأرواح جلها من النساء والأطفال .
تحقيق / قيس سالم الدوعني
قصص من مسرح الكارثة
- أتى السيل على حين غره في ساعات متأخرة من الليل الخوف تسربل في النفوس , المطر لم يتوقف لأكثر من ثلاثين ساعة متواصلة وكما هو معروف عن نمط البناء المعماري في مديرية ساه كغيرها من مديريات وادي حضرموت يستخدم فيه مادة الطين كعنصر أساسي في تشييد البيوت الخوف والشعور بالخطر يساور الجميع خصوصا النساء والأطفال وفي حوالي الساعة الثانية من فجر الجمعة 24/أكتوبر /2008م دقت ساعة الصفر واتى الفيضان على كل شيء أمامه , في بيت أسرة آل باوزير الذي تقطنه ثلاث أسر جرف الفيضان جميع من المنزل ما عدا الابن الأكبر الذي ذهب لإداء فريضة صلاة الفجر وآخر تم إنقاذه بعد عدة كيلومترات وامرأة أخرى تم إنقاذها بعد مرور أكثر من ثمان ساعات من الفيضان حيث جرفتها السيول لمسافة تزيد على 3 كيلومتر إلا أنها تمسكت بجذع نخلة وظلت ممسكة به طيلة الثمان ساعات حتى أتاها الفرج من عند الله بعد أن عدها أقربائها في عداد ضحايا الكارثة في حين ذهب الفيضان بمن تبقى من الأسرة البالغ عددهم 8 أفراد بينهم أربعة أطفال لم يعثر على جثثهم حتى اليوم .
- في منطقة الحسك داهم السيل منزل الأسرة المكون من الأم وأربعة أطفال في حين لم يكن رب البيت متواجدا نظرا لسفره خارج البلاد لطلب لقمة العيش , الماء يحيط بالمنزل والأم مع أطفالها الأربعة على سطح المنزل ترقب الموت وفي خطوة بطوليه جسدها شباب المنطقة حيث دخلوا إلى مقربة من البيت المحاصر بعد ربطهم بالحبال حتى لا تجرفهم مياه الفيضان لتقوم المرأة برمي أطفالها من أعلى السطح الواحد تلو الآخر ليتلقفهم الشباب تحت المنزل وبعد أن رمت بأطفالها للشباب المنقذين ربطت نفسها بنقابها وخرجت ليساعدها الشباب على النجاة من موت محقق وأطفالها الأربعة .
- في منطقة الصيقة بعد أن داهم الجميع السيل هربوا تاركين وراءهم كل ما يملكون إلا أن تلك المرأة بعد أن خرجت مع أولادها وزوجها عادت مرة أخرى للبيت قيل أنها عادت لتأتي بمجوهراتها رغم أن الماء قد حاصر البيت وفي غمضة عين جرفتها السيول على مرأى من زوجها وأطفالها وبناتها البالغات ولم يستطع أحد إنقاذها في مشهد تراجيدي جسد المعنى الحقيقي للمعاناة وفصولها المبكية, الابن الأكبر لتلك المرأة لم يحتمل هول المشهد فأصيب بهستيريا أفقدته صوابه لعدة أيام .
- خرجت تلك المرأة من غرفة نومها بما عليها من ثياب بسرعة بعد أن وصلتها التحذيرات بقدوم الفيضان وفي غمرة عجلتها أخذت مخدتها بين ذراعيها ظنا منها أن الذي تحمله هو ابنها وفلذة كبدها الوحيد فما أن وصلت إلى خارج المنزل أدركت أن الذي بين يديها ما هي إلا المخدة بينما طفلها لا يزال في الطابق الثالث من المنزل فعادت كالمجنونة مع أن المياه قد حاصرت المنزل لتعود بطفلها بين ذراعيها بعد أن كادت تجن لفقدانه فما أن خرجت من المنزل مع زوجها وبعد بضع خطوات انهار المنزل عن بكرة أبيه مخلفا وراءه دخانا هائلا وركاما لولا رحمة الله بها وطفلها لكانت مدفونة تحت أنقاض ذلك المنزل .

- كل أصحاب تلك القصص والنماذج بحاجة لمن يقف إلى جانبهم ويقدم لهم الدعم النفسي خصوصا أن تلك المشاهد لا تزال محفورة في أذهان الكثيرات من النساء وكذلك الأطفال، إلا أن المتابع يجد قصورا شديدا من قبل المعنيين بالأمر وكذا التأخير في تقديم الدعم النفسي فمعظم البرامج التي نفذت في هذا الخصوص كانت متأخرة وفي وقت أصبح المتضررون بحاجة لما هو بعد الدعم النفسي ويعمق الشعور لدى المتضررين ونخص منهم فئة النساء بحالة يمكننا وصفها بالإحباط لعدم إيفاء الحكومة بالتزاماتها تجاه المتضررين وعدم بناء مساكن لهم تقيهم من كابوس التشرد في الشوارع .

رئيسة جمعية الارتقاء النسوية بمديرية ساه آمنة عبود باغوزة، تحدثت عن الدور الذي اضطلعت به الجمعية في هذا الخصوص "نحن في جمعية الارتقاء وكون جمعيتنا مهتمة بالمرأة بدرجة أساسية نولي هذا الموضوع اهتماما كبيرا فمنذ الساعات الأولى لوقوع الكارثة حاولنا أن نقدم ما بوسعنا ولكن لشحة الإمكانيات ومفاجأة الكارثة للمنطقة لم نستطع في البداية تقديم الدعم الكافي"، وتضيف رئيسة الجمعية : "ولهذا الغرض فقد شاركنا في ورشة العمل الخاصة بتقديم الدعم النفسي الطارئ للمتضررات وآلية تنفيذ حملات الدعم النفسي، وقد اختيرت جمعيتنا من بين عدد كبير من الجمعيات في الوادي لتنفيذ هذه الحملة على اعتبار أن مديرية ساه من المديريات الأكثر تضررا من كارثة السيول، حيث شاركت خمس عضوات من الجمعية، بعد ذلك بدأنا في تنفيذ برامجنا في ساه بالتعاون مع منظمة سول بتمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDB ) وقد قمنا بتوزيع حقيبة الكرامة والتي تشمل أهم الاحتياجات الأساسية للمرأة من خلال زيارة تقوم بها عضوات الجمعية للمنزل الذي تقطن فيه تلك المرأة مع تقديم المواساة للأسرة مما حل بهم من الكارثة، ونظمنا بعد ذلك عددا من الجلسات والمحاضرات لتقديم الدعم النفسي للنساء المتضررات بل وحتى غير المتضررات" .
واعتبرت رئيسة جمعية الارتقاء أن التأخير في تنفيذ برامج الدعم النفسي شكل قصورا، حيث لم تسارع الجهات المانحة بتقديم الدعم في الأيام الأولى بحكم الروتين وأشياء تخص الترتيب لمثل هذه الأعمال، ونوهت إلى أن الجمعية وعضواتها اكتسبن خبرة في كيفية تقديم الدعم النفسي ولا سمح الله لو حصل أي مكروه فإنهن مستعدات لتقديم الدعم في أي وقت .
أستاذ علم النفس بجامعة حضرموت للعلوم والتكنولوجيا الدكتور عمر عبيد باسعد ورئيس اللجنة الفنية للدعم النفسي بمحافظة حضرموت الوادي والصحراء، يتحدث حول هذا الموضوع بالقول " يوفر الدعم النفسي إغاثة مباشرة ويحد من خطر تطور ما يسمى الأفعال الطبيعية إلى ردود أفعال أكثر شدة (مرضية) ويمكن أن يساعد في مواجهة الاحتياجات الجسدية والمادية لكثير من الناجين من الكوارث ".
ويحدد الدكتور باسعد عدة عوامل يعتمد عليها العمل في مجال الدعم النفسي، من أهمها :-
* جهود المجتمع المحلي وذلك من خلال تهيئته كي يكون جاهزا لمواجهة الكوارث .
* تدريب أشخاص من خلال دورات في مجال الدعم النفسي يجعلهم أكثر معرفة بالتواصل مع الآخرين وفهم ذوي الاحتياجات الخاصة وتقديم المساعدة لهم أو الإخبار عنهم أو إحالتهم إلى المختصين النفسيين والمشرفين على الإغاثة .
* التنسيق مع الجهات ذات العلاقة (مجالس محلية – مكاتب الصحة والسكان – منظمات المجتمع المدني ) بغرض التدخل بشكل سريع ومتكامل عند وبعد الكوارث .
* إيجاد فريق دعم نفسي متخصص للتدخل في حالات الكوارث مجهز بغرفة عمليات وأدوية ومتخصصين بغرض تقديم الدعم النفسي السريع عند حدوث الكوارث .
ويرى الدكتور باسعد أن قلة الخبرة لدى المجتمع المحلي لعدم حدوث كوارث كبيرة بشكل كبير ومتكرر في مجتمعنا بوادي حضرموت جعل الدعم النفسي لا يزال في مراحل بدائية ويحتاج مزيدا من تكثيف الجهود، ويعلل تأخر وصول الدعم النفسي للمتضررين بقلة خبرة الجمعيات بهذا النوع من الدعم، حيث تم التركيز على الإغاثة المادية والإيواء وكذلك الجهود والأدلة الإرشادية ومكاتب التنسيق للدعم النفسي في جميع أنحاء العالم لا تزال في أطوارها الأولى في العقدين الأخيرين ونحن جزء من هذا النظام الحديث العهد .
