العيد في حضرموت الوادي.. مرارة الماضي وتطلع الحاضر
الثلاثاء 07/10/2008- سيئون/موقع محافظة حضرموت/سبأنت - عبد الله باخريصة

ارتفع التكبير لبزوغ فجر العيد.. فسالت الدموع عن أعين المسلمين فرحا بقدوم العيد وحزنا على فراق رمضان، وتزيَّن الناس للعيد لينتشروا في أرجاء مناطقهم مبكرين إلى الصلاة ومسرورين بزيارة الأقارب والأرحام فهنيئا لهم العيد، وعساكم من عواده، وكل عام والجميع بألف خير. ومع هذه النعمة التي نحن فيها نقف وقفة استطلاعية عن العيد في حاضرنا وماضينا لنجد الفرق بين الأمرين شاسعا، حيث اختفت أمور وظهرت أمور، وكل على حسب زمانه.


قديما.. العيد صعب لكنه جميل:
على حد ما يحكي لنا الآباء القدامى أن العيد كان مختلفا تماما عمّا هو عليه الآن، إذ كان فيه البساطة والتواضع الذي يغلب عليه طابع الزهد، ولا يتطلع الولد أو البنت إلى ما يتطلع إليه الأبناء الآن من المفاخرة بالثياب ومحاولة لبس ما هو متميز جدا عن الغير، وإنما كانت ثياب عادية عبارة عن إزار يستر العورة و"شميز" يستر ما علا من الجسم، وكذلك الفتاة ثوب كامل يغطيها لا يعرف الألوان كي تستتر به مع الاختباء في بيتها، لكن الآباء يصفون تلك الأيام بالجميلة رغم صعوبتها وقلة زخارف العيش فيها، بسبب ترابط الناس فيما بينهم عندما كانوا قلَّة أكثر ممّا هم عليه الآن.

ثياب في السنة.. ووجبة واحدة:
وعن العيد قديما، أي قبل أكثر من 60 عاما تقريبا، يحكي تفاصيلها عدد من الآباء الذين عاشوا عيد ذاك الزمان، ليذكّروا أجيال الحاضر بما كان في تلك الأيام من طقوس، فيذكر الوالد أحمد مبارك جبران أن جميع الأشياء المصنوعة والمأكولة هي محلية الإنتاج، فالأكواب والأواني كانت من الخزف، ويأتون بالماء من البئر ساخنا، ويتركوه على تلك الأواني حتى يبرد ليشربوه، وفي العيد يلبس الجميع الثياب المحاكة محليا، ثم تحفظ في صناديق حديدية ولا تلبس إلا في أيام العيد التي تليها أو أيام المناسبات كالزفاف أو ما شابه ذلك.

أما الوالد عبدالله علي العيدروس، فيقول: "إن العيد كان لا يتمتع بما نحن فيه الآن من أكلات ووجبات عريضة، وإنما كانت الوجبة الوحيدة الفاخرة أيام العيد هي الهريس، وهي وجبة تطبخ باللحم والذرة، ولا يأكلها إلا من كان ميسور الحال أو المقتدر من أصحاب المال، أما الناس العاديون فأكلهم التمر وخبز البر والفجل، وأحيانا يأكلون الهريس".

والعجيب في تريم ذلك الوقت أنها أرض زراعية مصدِّرة لما حولها من المناطق بالخضروات الناضجة كالطماطم وغيرها، ورخيصة الثمن رغم صعوبة الزراعة، إذ كانوا يعتمدون على الثيران أو الحمير في حراثة الأرض.

نقوش حناء.. و"صراقيع" أطفال:
ويتحدث الوالد والباحث جعفر محمد السقاف قائلا: "الزائر لوادي حضرموت بشكل عام خلال أيام العيد وخاصة سيئون يلمس علامات واضحة تدل دلالة واضحة على أن الناس في أيام عيد تبتهج بها الأرواح، فالأطفال كانوا ولا زال البعض منهم إلى اليوم يفجرون الصراقيع (المفرقعات) المصنوعة محليا من أحجار تثقب ويوضع عليها البارود ومسمار، ثم تضرب على حجرة أخرى فتحدث دويا وشرارة نار.
أما النساء فينقشن الأيدي والأقدام بالحناء، ويتفنن في نقشاتها تفننا عجيبا، كما تطلى واجهات البيوت بالنورة البيضاء لتستقبل الزوار الذين يتبادلون الزيارات للتهنئة بالعيد.


أما قباب أولياء الله الصالحين، فيتجمع الناس فيها لسماع التواشيح، التي تصاحبها الدفوف بالأناشيد المختلفة، وتحت إيقاعات خاصة، وهناك الأراجيز الشعبية والرقصات ولبس الملابس الزاهية التي تلحظها ويرددون أبيات، كقول الشاعر:
العيد ما ابتهجت به الأرواح وعلى القلوب به تدار الراح والأراجيز .. يا عيد.. تعود علينا.. يا عيد.. يا عيد

عيد سيئون.. عادات قديمة حديثة:
وعن العيد في مدينة سيئون تحدث إلينا المواطن علي محمد بانقيل، قائلا: "مدينة سيئون تتميز عن غيرها من مدن وقرى وادي حضرموت ببعض العادات والتقاليد، ففي اليوم الأول من أيام العيد يخرج الناس من الجوامع عقب أدائهم صلاة العيد إلى الساحات، ويتم فيها إنشاد القصائد المعبِّرة عن الفرحة بالعيد، وبعض الرقصات الشعبية، والتي تعبِّر كذلك عن الفرح والابتهاج بقدوم العيد، وفور الانتهاء منها يقوم أحد العلماء أو كبار السن بالدعاء والابتهال إلى الله، ويؤمّن جميع الحاضرين على دعائه، ثم يتبادل الناس التهاني والتبريكات بالعيد، وهي عادة قديمة متوارثة، ولا زالت –بحمد الله- إلى اليوم. وفي الوقت الحاضر برزت مجموعة من الجهود التي قام بها عقَّال الأحياء في المدينة من تنظيم العديد من المهرجانات والفعاليات العيدية التي تجذب إليها الكثير من الناس، كما يتوجه الأطفال إلى الحدائق والمتنزهات لقضاء أروع وأجمل اللحظات العيدية".

ليس هناك اختلاف كبير:
أما مميزات العيد في مدينة تريم، فهي مشابهة إلى حد كبير مع ما ذكر في عيد سيئون إلا أن هناك بعض المميزات التي اختصت بها تريم، وما حولها من القرى، ففي صباح العيد يخرج الناس رجالا وأطفالا وأحيانا النساء إلى المسجد مكبِّرين ومهللين، حتى يصعد الإمام إلى المنبر فيخطب فيهم خطبتين، بعدها ينتشر الناس مهنئين بعضهم بعضا داخل المسجد وخارجه، كما يذهب البعض إلى المقبرة لزيارة الموتى والدعاء لهم، ثم يذهبون لزيارة الأقارب والأرحام ويهنئونهم بالعيد، بالإضافة إلى شراء الألعاب للأطفال.


تريم.. ميزة حسنة لجيل اليوم:
يكثر الحديث حول عدم تمسك شباب اليوم بدينهم، كما كان في السابق، وخاصة في مدينة تريم، وهذا صحيح، إلا أننا لو دققنا النظر في أحوال الناس اليوم لرأينا كثيرا من الخير الذي برز مؤخرا، ولم يكن معروفا في الأجيال السابقة، ومن أهم تلك الحسنات صوم مدينة تريم بكاملها وجميع طبقاتها وفئاتها تقريبا لأيام الست من شوال، إذ لا يكاد سواد ليل عيد الفطر ينسدل على المدينة إلا وترى جو رمضان يعود ثانية إلى وجوه الناس وبلدتهم، وتستعد النساء لتجهيز السحور ويسهر أكثر الرجال لياليهم كما هي الحال في رمضان، وبعد أيام الصوم الستة من شوال يتزاور أهل المنطقة ثانية فيما بينهم، ويرددون عبارات التهاني والتبريكات بعيد الفطر المبارك .